من الأجدر أن تشخص رحلة الزيدي إلى واشنطن بأنها استهلال العراق لمرحلة سياسية لم تكن قد شهدتها البلاد منذ ٢٠٠٣.
علي فالح الزيدي، الذي ارتقى إلى كرسي رئاسة الوزراء، لم يكن سياسيا ولم يكن معروفا لدى العراقيين، ولم يتجول في أروقة البرلمان والأحزاب، ولم يعلن عن دعاية انتخابية، بل استخدم كعامل منشط لإزالة الأزمة التي كانت قائمة حول من سيتولى رئاسة الوزراء العراقي، بعد تغريدة ترامب التي حظرت بعض المرشحين من الوصول الى كرسي الرئاسة.
وهكذا انقشعت الأزمة التي كانت قد تجعل العراق تحت المحاصرة الأمريكية. وصف الرئيس الامريكي ترامب علي الزيدي خلال استقباله في البيت الابيض (إنه قائد عظيم) وسيصبح قائد عظيم في الشرق الأوسط.
"(great leader) going to be a great leader in the Middle East".
ترامب يشير في تصريحه هذ إلى التغيرات الجذرية التي ستشهدها العراق في العلاقات العراقية الأمريكية، وربما تغيرات في الشرق الأوسط.
إن الأمنية التي حملها رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي معه إلى واشنطن، وجعلها في أذن الرئيس ترامب وعلى مسمع من العالم، هي طلب الشراكة الاقتصادية مع الولايات المتحدة الامريكية، ودخول الشركات الاقتصادية والاستثمارية الأمريكية إلى العراق لتنفيذ كافة المشاريع الطاقة والبنى التحية.
وبهذا الطلب، أراد الزيدي إزالة "الفساد الاستراتيجي" المنتشر في العراق، والذي كانت تزاوله بعض الشركات من خلال منح كومنشات commissions للطبقة التي تبحث عنها القضاء العراقي (وهي المكافأة غير القانونية) وذلك للحصول على المشاريع قد تكون وهمية أو تنفيذية والسيد علي الزيدي أدرى بذلك لأنه من كبار رجال الأعمال وصاحب المصارف.
وقد يكون الفساد الاستراتيجي رغبات بعض دول الجوار العراقي التي لعبت دورا خطيرا على مدى ٢٣ سنة، لكي يبقى العراق في دوامة الفساد والعنف والدولة الفاشلة.
ويجب أن يكون اصطحاب الشركات الأمريكية إلى العراق مقترنا بالتهيئة الأرضية الأمنية الصلبة. وذلك لتجنب تعرض هذه الشركات الى الازمات الامنية مثل ما تتعرض البعثات الدبلوماسية إلى الهجمات بالمسيرات.
وفي هذا الشأن، قال رئيس الحكومة العراقية: "ماكو وجود للفصائل المسلحة بعد ٣٠ أيلول". كما أكد على مغادرة القوات الأمريكية الأراضي العراقية. ولكن كيف سيواجه الزيدي عملية تفكيك أسلحة الفصائل في حين ترفض بعض الفصائل تسليم أسلحتهم.
وفي الشأن الايراني، لايخفى على أحد بأن هذه الزيارة قد سببت إزعاجا للجمهورية الإسلامية من خلال العلاقات الإيرانية -الأمريكية والعلاقات الإيرانية- العراقية. ولا أرى حاجة للتطرق الى هذه العلاقات لأنها واضحة للداني والقاصي، أي أن الأمر جلي ومفهوم للجميع.
ولكن هناك نقاط يجب الإشارة إليها:
١- عندما سئل الزيدي عن نظرته لاغتيال الجنرال قاسم سليماني، في ٣ كانون الثاني ٢٠٢٠، أجاب وقال: "لم أكن لي علاقة بالسياسة آنذاك". وهذا ما يزعج الجمهورية الإسلامية.
٢- حل الفصائل المسلحة والمدعومة من قبل إيران، سيكون مصدر إزعاج وقلق للإيرانيين.
ولكن الرئيس الأمريكي أعطى الزيدي الضوء الأخضر لزيارة إيران بعد عودته من أمريكا؛ للأسباب التالية:
١- شعر ترامب وعرف من خلال تقارير استخباراتية، ومن خلال بيانات المقاومة العراقية، ومن خلال ضرب أربيل والسليمانية بالمسيرات، ومن خلال إرسال أسلحة من العراق نحو حزب الله اللبناني، والتي ضبطت من قبل السلطات السورية، بأن الزيدي قد يكون على مرمى المخاطر والتهديدات.
٢- عرف ترامب المهمة الصعبة التي تنتظر الزيدي، ولذلك كلفه لزيارة طهران حيث هناك شخصيات من تسيطر على الفصائل المسلحة في العراق.
٣- كما شعر ترامب بأن رئيس الحكومة العراقية سيكون الناقل الأمين بين واشنطن وطهران.
٤- وقد يقوم الرئيس الأمريكي باستبدال الوسيط الباكستاني والوسيط القطري بالوسيط العراقي، حيث سيكون نقل الرسائل بين طهران وواشنطن من خلال العراق، وذلك لإدخال السيد علي الزيدي إلى السلك الدبلوماسي واختبار قدرته في السياسة البراغماتية.
بقى أن نقول بأن الرئيس الأمريكي لا يمدح أحدا إلا وجعله تحت الأضواء لينتظر النتائج.










