أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، اليوم الخميس، عن بيانات إحصائية مقلقة تتعلق بحركة السفر عبر معبر رفح البري مع جمهورية مصر العربية، حيث كشف أن عدد الفلسطينيين الذين تمكنوا من استخدام المعبر ذهاباً وإياباً لم يتجاوز 1148 مسافراً منذ إعادة فتحه بشكل محدود في الثاني من فبراير الجاري.
وأوضح البيان أن هذا الرقم يمثل صدمة إنسانية إذا ما قورن بالعدد المفترض عبوره وفق التفاهمات الدولية والمقدر بـ 3400 مسافر، ما يعني أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تلتزم إلا بنسبة 33% فقط من الوعود المقطوعة، وهو ما يعكس استمرار سياسة المماطلة والتعنت التي تنتهجها القوات المحتلة المسيطرة على الجانب الفلسطيني من المعبر منذ مايو 2024.
وتشير التفاصيل التوثيقية للفترة الممتدة بين 2 و18 فبراير 2026، إلى أن إجمالي المغادرين من القطاع بلغ 640 شخصاً فقط، بينما عاد إلى غزة 508 مواطنين، في حين سجلت الكشوفات إرجاع 26 مسافراً أثناء محاولتهم المغادرة دون إبداء أسباب واضحة أو مبررات قانونية من قبل الجهات المشرفة على المعبر.
إن هذه القيود المشددة للغاية تأتي في وقت يعيش فيه قطاع غزة وضعاً صحياً كارثياً، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى وجود أكثر من 22 ألف جريح ومريض بحاجة ماسة لمغادرة القطاع لتلقي علاجات تخصصية غير متوفرة في المستشفيات المدمرة، مما يجعل من تعثر حركة المعبر حكماً بالإعدام البطيء على آلاف الحالات الحرجة التي لا تحتمل التأجيل.
دلالات العودة والصمود
رغم حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة والدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والمنازل، كشفت المعطيات شبه الرسمية عن دلالة سوسيولوجية وسياسية بالغة الأهمية، تتمثل في تسجيل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم رسمياً في قوائم الرغبة بالعودة إلى قطاع غزة.
هذا التدفق الكبير نحو العودة يعكس فشلاً ذريعاً لمشاريع التهجير القسري التي حاول الاحتلال فرضها، ويؤكد تمسك الفلسطينيين بأرضهم رغم انعدام مقومات الحياة الأساسية.
إن حركة العائدين التي بلغت 508 مسافراً في أسبوعين تمثل نسبة ضئيلة جداً مقارنة بآلاف المنتظرين في الأراضي المصرية والأردنية وغيرها، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية لإلزام الاحتلال بفتح المعبر بشكل كامل ودون قيود أمنية تعجيزية.
وبالمقارنة مع الوضع ما قبل اندلاع الحرب، كان معبر رفح يشهد حركة طبيعية بآلية عمل تخضع حصراً لوزارة الداخلية في غزة والجانب المصري، حيث كان مئات المسافرين يعبرون يومياً في كلا الاتجاهين دون أي تدخل أو رقابة إسرائيلية.
أما اليوم، فقد تحول المعبر إلى نقطة تفتيش عسكرية تخضع لإرادة الاحتلال الذي يتحكم في كمية ونوعية العابرين، مما أدى إلى تقليص عدد المرضى والمرافقين المسموح لهم بالمغادرة إلى مستويات دنيا لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية. إن استمرار هذا الوضع يفاقم من معاناة السكان ويحول قطاع غزة إلى سجن كبير يفتقر لأبسط الممرات الإغاثية، وهو ما يتطلب تدخلاً فورياً لإعادة العمل بالاتفاقيات السابقة التي تضمن انسيابية الحركة والسيادة الفلسطينية-المصرية على هذا المرفق السيادي الوحيد للقطاع مع العالم الخارجي.
إن الالتزام الإسرائيلي الهش بنسبة 33% فقط من التفاهمات ليس مجرد خلل فني، بل هو سلوك سياسي ممنهج يهدف إلى إطالة أمد المعاناة واستخدام حاجة الجرحى للسفر كأداة للمقايضة والضغط.
ومع استمرار إغلاق المعبر في وجه الوفود الطبية والإمدادات الحيوية، تزداد الفجوة بين الواقع الميداني وبين التصريحات التي تتحدث عن "تسهيلات" لا يلمسها المواطن الفلسطيني على أرض الواقع.
إن فتح معبر رفح بشكل كامل وحقيقي هو المطلب الوحيد الذي يمكن أن ينقذ المنظومة الصحية والاجتماعية في غزة من انهيار شامل بات وشيكاً في ظل هذه المعطيات الرقمية الصادمة.










