منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، بدا المشهد في قطاع غزة وكأنّه ينتقل من ضجيج القصف إلى صمتٍ ثقيل لا يقل وطأة. فبين خروقات متكررة للتهدئة، وفتح محدود لمعبر رفح، وموجة غلاء تضرب الأسواق مع حلول شهر رمضان، تتكشّف ملامح مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الأبرز: الحرب الاقتصادية. هذه الحرب لا تُقاس بعدد الغارات، بل بقدرة الناس على شراء الخبز، وباستمرار المستشفيات في العمل، وبإمكانية بقاء العائلات تحت سقفٍ لم يُقصف بعد.
التحقيق التالي يرصد ميدانيًا ملامح التحوّل من الحرب العسكرية إلى معركة الاستنزاف الاقتصادي، ويحلّل سياسيًا مسار الاتفاق، وإمكانية الانتقال إلى مرحلته الثانية في ظل موازين قوى مختلّة وتدخل أمريكي مباشر في إدارة المشهد منذ أكتوبر 2023.
خروقات متكررة
رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، لم تتوقف الانتهاكات الإسرائيلية بشكل كامل. مصادر ميدانية داخل غزة تؤكد استمرار عمليات إطلاق نار متقطعة في مناطق حدودية، واستهدافات محدودة بطائرات مسيّرة، إضافة إلى تحليق مكثف للطيران الاستطلاعي. هذه الخروقات، وإن كانت أقل كثافة من ذروة الحرب، فإنها تُبقي القطاع في حالة توتر دائم، وتمنع عودة الحياة الطبيعية أو بدء إعادة إعمار حقيقية.
بحسب تقارير أممية، فإن أي وقف إطلاق نار هشّ لا يترافق مع ضمانات دولية ملزمة يظلّ قابلًا للانهيار في أي لحظة، خصوصًا مع إصرار الاحتلال الإسرائيلي على الاحتفاظ بـ"حرية العمل الأمني" داخل قطاع غزة. هذه الصيغة، التي تُسوَّق أمنيًا في الإعلام الإسرائيلي، تعني عمليًا استمرار القدرة على القصف أو التوغّل متى شاءت تل أبيب، ما يجعل التهدئة أقرب إلى إدارة اشتباك منخفض الحدّة لا إلى سلام مستقر.
رفح.. شريان مقيد
فتح معبر رفح جاء محدودًا ومشروطًا، سواء من حيث عدد الشاحنات أو نوعية البضائع المسموح بدخولها. وفقًا لبيانات صادرة عن جهات إغاثية عاملة في القطاع، فإن حجم المساعدات لا يلبّي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الفعلية لسكان تجاوز عددهم المليوني نسمة، معظمهم نازحون ويعتمدون كليًا على الدعم الخارجي.
اقتصاديًا، لا يعني فتح المعبر إدخال مساعدات فحسب، بل إعادة تشغيل دورة الحياة: مواد خام، وقود، مستلزمات طبية، وقطع غيار للبنية التحتية. لكن القيود المفروضة، سواء عبر آليات التفتيش أو تحديد الأصناف، تُبقي الاقتصاد في حالة اختناق. ويؤكد تجار في غزة أن إدخال كميات محدودة من السلع يخلق سوقًا مضطربة، تتسم بالندرة وارتفاع الأسعار، ما يفتح الباب أمام المضاربة ويعمّق الفجوة بين القدرة الشرائية والاحتياجات الأساسية.
رمضان تحت الضغط
مع حلول شهر رمضان، كان من المفترض أن يشهد السوق الغزّي انتعاشًا نسبيًا كما جرت العادة، غير أن الواقع جاء معاكسًا. أسعار المواد الغذائية الأساسية—الدقيق، السكر، الزيوت، اللحوم—ارتفعت بنسب ملحوظة، وفق شهادات تجار ومستهلكين، في ظل محدودية الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتخزين.
الغلاء هنا ليس مجرد نتيجة طبيعية للعرض والطلب، بل انعكاس مباشر للحصار. فاقتصاد غزة، الذي دمّرته الحرب الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 عبر استهداف المصانع والأسواق والبنية التحتية، لم يعد يملك قدرة إنتاجية داخلية تعوّض النقص. ومع توقف آلاف العمال عن العمل، وانعدام مصادر الدخل، تتحوّل أي زيادة سعرية—even لو كانت طفيفة—إلى عبء معيشي خانق. وهكذا، يصبح رمضان موسم قلق بدل أن يكون موسم تضامن وفرح.
انهيار الخدمات
تحذيرات المؤسسات الإنسانية تتصاعد بشأن خطر انهيار الخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء وصرف صحي إلى القطاع الصحي. وفقًا لتقارير صادرة عن وكالات أممية، فإن استمرار القيود على إدخال الوقود ومواد الصيانة يهدد بتوقف محطات تحلية المياه، ويُبقي المستشفيات في دائرة الخطر.
الواقع الصحي تحديدًا يعكس هشاشة الوضع؛ فالمستشفيات التي تعرّضت للقصف الإسرائيلي خلال الحرب لم تُرمّم بالكامل، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية ما زال قائمًا. ومع وجود آلاف الجرحى ومرضى الأمراض المزمنة، فإن أي تعثر إضافي في سلاسل الإمداد قد يتحوّل إلى كارثة صامتة. هنا، تتجلّى ملامح الحرب الاقتصادية بوضوح: إنها حرب تستهدف قدرة المجتمع على البقاء، لا فقط قدرته على القتال.
من النار إلى الجوع
التحوّل من الحرب العسكرية إلى الحرب الاقتصادية ليس تطورًا عفويًا، بل جزء من استراتيجية قديمة جديدة لإعادة تشكيل غزة عبر الضغط المعيشي. فالحصار، الذي فُرض منذ سنوات، يأخذ اليوم شكلًا أكثر تعقيدًا، يجمع بين القيود الأمنية والاشتراطات السياسية، ويُبقي القطاع تحت سقف "الإدارة بالأزمة".
هذا النمط يسعى—وفق محللين سياسيين—إلى خلق واقع اقتصادي يدفع المجتمع الغزّي إلى إنهاك طويل الأمد، بحيث يصبح أي استقرار مرتبطًا بشروط الاحتلال ورعاته الدوليين. الدور الأمريكي هنا لا يمكن تجاهله؛ فمنذ أكتوبر 2023، قدّمت أمريكا دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا لإسرائيل، ووفّرت غطاءً دبلوماسيًا في المحافل الدولية، ما منح تل أبيب هامشًا واسعًا في إدارة الحرب ومسارات التهدئة على حد سواء.
المرحلة الثانية
الاتفاق، كما هو معلن، يفترض الانتقال إلى مرحلة ثانية تتضمن ترتيبات أوسع تتعلق بإعادة إعمار غزة وتبادل الأسرى وضمانات أمنية متبادلة. غير أن تنفيذ هذه المرحلة يواجه عقبات جدّية، في مقدمتها غياب الثقة، واستمرار الخروقات، وتباين الرؤى حول مستقبل إدارة غزة.
سياسيًا، تبدو المرحلة الثانية رهينة توازنات إقليمية ودولية معقّدة، فضلًا عن الحسابات الداخلية في إسرائيل وأمريكا. وفي ظل إصرار الاحتلال على الاحتفاظ بآليات ضغط اقتصادية وأمنية، يصبح السؤال المطروح: هل يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية في ظل حصار مستمر؟ أم أن ما يجري هو إعادة ضبط للقطاع بما يضمن بقاءه في حالة تبعية دائمة؟
غزة اليوم تقف عند مفترق طرق: هدنة هشة لا تنهي المعاناة، وحصار اقتصادي يعيد إنتاجها بأدوات مختلفة. فالمعركة لم تنتهِ بتراجع القصف، بل تبدّلت أشكالها. وبينما يراهن الاحتلال على إرهاق المجتمع من الداخل، يبقى الرهان الفلسطيني معلقًا على قدرة الصمود، وعلى تحوّل دولي حقيقي يكسر معادلة الإفلات من المحاسبة التي رافقت المجازر منذ أكتوبر 2023.










