شهدت مناطق متفرقة من الضفة الغربية والقدس المحتلة، اليوم الأحد ، تصعيداً ميدانياً خطيراً في اعتداءات المستوطنين التي استهدفت الأراضي الزراعية والتجمعات البدوية والرعاة، في إطار محاولات مستمرة وممنهجة لتضييق الخناق على المواطنين الفلسطينيين وتهجيرهم من أراضيهم التاريخية.
وتأتي هذه الهجمات المنسقة تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، لتكريس واقع جديد يعتمد على المصادرة الفعلية للأراضي عبر تسييجها ومنع أصحابها الشرعيين من الوصول إليها، مما يهدد بانهيار القطاع الزراعي والرعوي الذي يعد شريان الحياة لآلاف العسر الفلسطينية.
إن ما يجري اليوم في رام الله والأغوار ومحيط القدس يمثل حرباً مفتوحة على الوجود الفلسطيني، حيث تسعى الجمعيات الاستيطانية المتطرفة بدعم حكومي واضح إلى تغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية للمنطقة، وتحويل القرى والبلدات الفلسطينية إلى معازل محاصرة بالبؤر الاستيطانية المسلحة.
تسييج جبل العالم في نعلين.. الاستيطان الزراعي يلتهم رام الله
في محافظة رام الله، أقدمت مجموعات من المستوطنين المسلحين على تسييج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التابعة لبلدة نعلين، وتحديداً في منطقة جبل العالم والمناطق المحيطة بها، في خطوة تهدف لترسيخ السيطرة على الأرض ومنع المزارعين من رعاية أشجارهم.
وأفادت مصادر محلية أن هذه المنطقة تعاني منذ نحو عام ونصف من وجود بؤرة استيطانية زراعية أقيمت عنوة، وتتعرض لاعتداءات متكررة تهدف لمصادرة الجبل بالكامل وتغيير معالمه الجغرافية لصالح التوسع الاستيطاني، هذا النمط من الاستيطان "الرعوي والزراعي" يعد من أخطر الوسائل التي يتبعها المستوطنون حالياً، حيث يتم الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي بجهد بشري قليل، مدعومين بمليشيات مسلحة ترهب المزارعين العزل وتمنعهم من الدفاع عن ممتلكاتهم تحت تهديد السلاح وبغطاء من قوانين الاحتلال الجائرة.
ترهيب التجمعات البدوية شرقي القدس.. مخطط "بئر المسكوب"
لم تكن القدس المحتلة بعيدة عن مشهد التصعيد، حيث اقتحم المستوطنون تجمع "بئر المسكوب 1" البدوي القريب من بلدة العيزرية شرقي المدينة، وقاموا بجولات استفزازية بين مساكن المواطنين، تضمنت التقاط صور للشبان في خطوة تهدف بوضوح إلى ترهيب السكان وجمع معلومات استخباراتية عنهم.
وتأتي هذه التحركات ضمن سياسة ممنهجة تستهدف التجمعات البدوية المحيطة بالقدس المحتلة، لحرمانهم من مقومات الحياة الأساسية ودفعهم نحو الرحيل القسري لتنفيذ مخططات "القدس الكبرى" وربط المستوطنات ببعضها البعض.
إن استهداف "بئر المسكوب" يمثل تهديداً مباشراً للوجود الفلسطيني في البوابة الشرقية للقدس، ويسعى الاحتلال من خلاله إلى إخلاء المنطقة من أصحابها لشق طرق استيطانية جديدة وتوسيع نفوذ مستوطنة "معاليه أدوميم" والكتل المحيطة بها.
الأغوار الشمالية.. حرب لقمة العيش والتهجير القسري للرعاة
وفي الأغوار الشمالية، واصل المستوطنون حربهم الضروس على لقمة عيش الفلسطينيين عبر ملاحقة رعاة الماشية في "خربة سمرة" وإجبارهم تحت التهديد على ترك المراعي التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد.
وتعيش مناطق الأغوار تصعيداً هو الأخطر منذ سنوات، حيث أدت هذه الضغوط المتواصلة والاعتداءات الوحشية خلال الأيام الماضية إلى رحيل نحو عشرين عائلة من تجمعي "البرج والميتة"، نتيجة استهداف خيامهم ومواشيهم ومصادر مياههم.
إن إخلاء الأغوار من سكانها الفلسطينيين لصالح المستوطنين يعد هدفاً استراتيجياً للاحتلال لضمان السيطرة على سلة الغذاء الفلسطينية والحدود الشرقية، حيث يتم تحويل المناطق الرعوية إلى "مناطق عسكرية مغلقة" أو "محميات طبيعية" تمهيداً لمنحها للمستوطنين الذين يمارسون إرهاباً منظماً ضد الرعاة العزل لتجفيف منابع عيشهم ودفعهم للرحيل.
الصمود الفلسطيني في مواجهة إرهاب المستوطنين
رغم قسوة هذه الاعتداءات وتصاعد حدتها، يبدي المواطنون الفلسطينيون صموداً استثنائياً في التمسك بأرضهم، حيث تتواصل الدعوات الشعبية لتعزيز الرباط في الأراضي المهددة ومساندة المزارعين والرعاة في المناطق المهمشة.
وتؤكد الفعاليات الوطنية والقانونية أن هذه الانتهاكات تمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني ووقف سياسة التطهير العرقي الصامت التي تجري في الضفة والأغوار.
إن بقاء عشرات العائلات في خيامهم ومراعبهم رغم التهديد بالقتل والتهجير يمثل أسمى آيات النضال، وهو ما يتطلب دعماً رسمياً وشعبياً لتعزيز مقومات صمودهم وتوفير البدائل التنموية التي تمكنهم من البقاء في وجه غول الاستيطان الذي لا يتوقف عن التهام الأرض الفلسطينية يوماً بعد يوم.










