أصدرت منظمة الصحة العالمية بياناً مأساوياً مع دخول أوكرانيا عامها الخامس من الحرب الشاملة، مؤكدة أن عام 2025 شهد أعلى عدد من الهجمات المباشرة على مرافق الرعاية الصحية بزيادة بلغت 20% مقارنة بالعام السابق.
ومنذ اندلاع العمليات العسكرية في 24 فبراير 2022، وثقت المنظمة الدولية ما لا يقل عن 2881 هجوماً استهدف الأطقم الطبية والمستشفيات وسيارات الإسعاف، مما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات الحيوية.
وتواجه الرعاية الصحية في أوكرانيا ضغطاً مزدوجاً يتمثل في القصف المباشر للمباني الطبية، والآثار التدميرية للغارات على البنية التحتية للطاقة التي تُعد المحرك الأساسي لغرف العمليات وأجهزة دعم الحياة، مما خلق فجوات صحية هائلة لا يمكن سدها في ظل استمرار العدائيات.
الفجوة الصحية.. خطوط المواجهة والواقع النفسي المنهار
كشف تقييم أجرته منظمة الصحة العالمية في ديسمبر 2025 عن تباين مخيف في الحالة الصحية للسكان؛ حيث أفاد 59% من القاطنين في مناطق خطوط المواجهة بأن حالتهم الصحية "سيئة للغاية"، مقارنة بـ 47% في المناطق الأخرى.
وحذر الدكتور هانز هنري كلوج، المدير الإقليمي للمنظمة في أوروبا، من "أزمة صامتة" تفتك بالصحة النفسية، حيث يعاني 72% من الأوكرانيين من القلق والاكتئاب الحاد، بينما لا يتمكن سوى واحد من كل خمسة أشخاص من طلب المساعدة.
ولم تقتصر الأزمة على الجانب النفسي، بل امتدت لتشمل أمراض القلب والأوعية الدموية، حيث يعاني ربع السكان من ارتفاع خطير في ضغط الدم، في حين يواجه 80% من المرضى صعوبة بالغة في الحصول على الأدوية الأساسية نتيجة ارتفاع الأسعار الجنوني أو إغلاق الصيدليات.
شتاء 2026.. الجليد يغزو المنازل والمستشفيات في كييف
وصف الدكتور يارنو هابشت، ممثل المنظمة في أوكرانيا، شتاء هذا العام بأنه الأقسى منذ بدء الحرب، خاصة بعد الهجمات الممنهجة على محطات الطاقة والتدفئة.
وفي هجوم كارثي وقع في يناير 2026 بالعاصمة كييف، انقطعت التدفئة عن 6000 مبنى سكني في ظل درجات حرارة وصلت إلى -20 مئوية، مما دفع نحو 600 ألف مواطن للفرار من المدينة.
وأوضح هابشت أن استهداف محطات التدفئة يؤدي إلى تجمد المياه وانفجار الأنابيب، مما يحول المنازل إلى كتل جليدية، وهو ما يجعل التعافي من الجراحات أو الولادة صراعاً يومياً من أجل البقاء. فالرعاية التي تبدأ في مستشفى يعمل بالمولدات الكهربائية تتلاشى فور عودة المريض إلى منزل يفتقر للماء والتدفئة، مما يحول التقدم الطبي إلى معاناة إنسانية مستمرة.
أشار البيان إلى تطور خطير في التكتيكات العسكرية خلال عام 2025، حيث تضاعفت الهجمات على المستودعات الطبية ثلاث مرات مقارنة بعام 2024.
هذا الاستهداف المتعمد أدى إلى تعطيل الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد التي تغذي المستشفيات بالأدوية والمستلزمات الجراحية. وفي الربع الثالث من عام 2025 وحده، أسفرت 184 هجمة عن مقتل 12 شخصاً وإصابة 110 من الكوادر الصحية، ليرتفع إجمالي ضحايا القطاع الصحي خلال أربع سنوات إلى 233 قتيلاً و930 جريحاً.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه الهجمات تشكل انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني، وتستهدف بشكل مباشر القدرة الصمودية للشعب الأوكراني عبر تدمير ملاذه الأخير للنجاة.
رغم الدمار، تمكنت منظمة الصحة العالمية في عام 2025 من إيصال المساعدات لـ 1.9 مليون شخص، شملت توزيع 284 مولداً كهربائياً للمرافق الصحية في 23 مقاطعة، ودعم أكثر من 1200 عملية إجلاء طبي. ومع ذلك، لا يزال العجز كبيراً في قطاع "إعادة التأهيل"، حيث لا تزيد نسبة المستشفيات التي تقدم خدمات الأطراف الصناعية عن 3%، رغم الارتفاع الهائل في إصابات البتر الناجمة عن الحرب.
وتناشد المنظمة المجتمع الدولي لجمع 42 مليون دولار أمريكي في عام 2026 لضمان استمرارية الخدمات الصحية لـ 700 ألف شخص وتوفير الأدوية المنقذة للحياة، مؤكدة أن الجهود الطبية وحدها لا تكفي، وأن "السلام يبقى هو الدواء الأول والأخير" لإنهاء هذه الحلقة المفرغة من المعاناة.










