20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لبنان بين فوهة التصعيد وهاوية الانهيار: من إنذار أمني إلى ارتجاج اقتصادي

يشهد لبنان في الأسابيع الأخيرة توترا لافتًا في المؤشرات الأمنية، بدأ بتوجيه وزارة الخارجية الأمريكية تعليمات لموظفي سفارتها في بيروت بالمغادرة

بقلم: سماح عثمان
٢٤ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
12 مشاهدة
اقتصاد لبنان

اقتصاد لبنان

يشهد لبنان في الأسابيع الأخيرة توترا لافتًا في المؤشرات الأمنية، بدأ بتوجيه وزارة الخارجية الأمريكية تعليمات لموظفي سفارتها في بيروت بالمغادرة، في خطوة لا يمكن فصلها عن تقديرات أمنية تتجاوز البعد الإجرائي المعتاد. مثل هذه القرارات، وفقًا للأعراف الدبلوماسية، لا تُتخذ إلا بناءً على تقييمات استخباراتية ترى في المشهد المحلي احتمالات اضطراب أو تصعيد، سواء كان مرتبطًا بالوضع الحدودي جنوبًا أو بتطورات داخلية قابلة للانفجار.

تزامن ذلك مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله، حيث سُجلت تحركات عسكرية واستفزازات ميدانية في مناطق حدودية، في مشهد يعكس هشاشة التفاهمات القائمة أكثر مما يعكس استقرارًا فعليًا. هذه الخروقات لا تبدو معزولة عن سياق إقليمي أوسع، خصوصًا في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة منذ أكتوبر 2023 بدعم أمريكي مباشر، ما يجعل الساحة اللبنانية عرضة لتوظيف أمني في إطار رسائل متبادلة بين تل أبيب ومحور المقاومة.

لبنان والخروقات الإسرائيلية

الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف النار لم تعد أحداثًا متفرقة يمكن احتواؤها إعلاميًا، بل تحولت إلى نمط متكرر يهدد قواعد الاشتباك التي استقرت نسبيًا منذ سنوات. هذا السلوك يعكس، وفق مراقبين عسكريين، محاولة إسرائيل اختبار حدود الردع لدى حزب الله، مستفيدة من انشغال الداخل اللبناني بأزماته الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.

وفي المقابل، يلتزم حزب الله حتى الآن بسياسة ضبط النفس المحسوب، مع الإبقاء على خطاب ردعي واضح. غير أن استمرار الاستفزازات قد يفرض معادلات جديدة، خاصة إذا اقترنت بحوادث ميدانية تؤدي إلى خسائر بشرية. هنا يصبح القرار الأمريكي بسحب موظفي السفارة إشارة إضافية إلى أن واشنطن تتوقع احتمالات تصعيد، أو على الأقل لا تستبعدها في المدى القريب.

شلل إداري

على الصعيد الداخلي، أعلن موظفو الإدارة العامة إضرابًا احتجاجًا على تآكل رواتبهم بفعل الانهيار المستمر في قيمة العملة وارتفاع تكاليف المعيشة. هذا الإضراب يعمّق حالة الشلل المؤسساتي، إذ تتعطل مصالح المواطنين وتتأخر المعاملات الرسمية، ما يفاقم شعور الانهيار العام وفقدان الثقة في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

الإضراب ليس مجرد مطلب نقابي لتحسين الأجور، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية في المالية العامة، حيث تعاني الخزينة من عجز مزمن وتراجع في الإيرادات، في ظل غياب إصلاحات جذرية يطالب بها المجتمع الدولي وصناديق التمويل. ومع كل يوم إضراب، تتآكل صورة الدولة أكثر، وتزداد كلفة إعادة بناء الثقة داخليًا وخارجيًا.

غضب الشارع

إلى جانب الإضرابات، تتصاعد احتجاجات شعبية ضد الغلاء وارتفاع الأسعار، في ظل تضخم مستمر وتراجع القدرة الشرائية لغالبية اللبنانيين. هذه الاحتجاجات تعكس احتقانًا اجتماعيًا متراكمًا منذ سنوات، لكنه اليوم يتخذ طابعًا أكثر حدّة بسبب انسداد الأفق السياسي وتعثر الحلول الاقتصادية.

الاحتجاجات، وإن كانت حتى الآن ضمن أطر مطلبية معيشية، إلا أن استمرارها قد يفتح الباب أمام انفلات أوسع، خاصة إذا ترافقت مع توترات أمنية أو صدامات محدودة. في تجارب سابقة، أثبتت الساحة اللبنانية أن التداخل بين الاقتصادي والأمني يمكن أن يكون سريعًا ومفاجئًا، ما يجعل أي قراءة للمشهد ناقصة إذا فصلت بين البعدين.

الاستقرار المالي

من زاوية اقتصادية، يضع الإضراب والاحتجاجات ضغوطًا إضافية على الاستقرار المالي الهش أصلًا. تعطيل الإدارات يعني تراجع التحصيل الضريبي والرسوم، وتأخير تنفيذ مشاريع وخدمات، وهو ما ينعكس سلبًا على الدورة الاقتصادية. كما أن مشاهد الاضطراب الأمني المحتمل أو سحب بعثات دبلوماسية يرسل إشارات سلبية إلى المستثمرين والأسواق.

الاقتصاد اللبناني، الذي لم يتعافَ بعد من تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ في 2019، يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي والأمني لاستعادة الثقة. لكن تزامن الخروقات الإسرائيلية مع التوترات الداخلية يخلق بيئة طاردة لرأس المال، ويؤخر أي مسار تفاوضي جدي مع الجهات الدولية المانحة. وفي ظل هذا المشهد المركب، تبدو البلاد أمام مفترق طرق دقيق، حيث يتقاطع الأمني بالاقتصادي، ويصبح أي خطأ في الحسابات قابلًا لتحويل الهشاشة إلى انفجار.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

لبنان بين فوهة التصعيد وهاوية الانهيار: من إنذار أمني إلى ارتجاج اقتصادي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°