يُعدّ عبدالله يوسف اللداوي أحد أبرز الوجوه الميدانية في شمال قطاع غزة خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتبط اسمه بالمقاومة والعمل الاجتماعي داخل مخيم جباليا، حيث نشأ وترعرع بين أزقته الضيقة وبيوته المتلاصقة. وقد ودّع المخيم قائده بعد إصابته في قصف استهدف المنطقة خلال أكتوبر 2025، ليرحل بعد أيام من الصراع مع جراحٍ خطيرة، تاركًا خلفه سيرة حافلة بالصمود والتضحية.
النشأة: ابن المخيم والمسجد
وُلد عبدالله يوسف اللداوي قبل نحو أربعين عامًا في مخيم جباليا، في بيئةٍ شكلت وعيه المبكر بالهوية والانتماء. عرفه أبناء المخيم شابًا هادئ الطبع، حسن الخلق، دائم الابتسام، ومواظبًا على حضور المساجد والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية والخيرية.
كان قريبًا من الناس، لا يتردد في مساعدة المحتاجين أو دعم المبادرات المحلية، ما جعله شخصية محبوبة تحظى بثقة المجتمع. ويؤكد من عرفوه أنه جمع بين التواضع والصلابة، وبين العمل العام والالتزام الديني.
المسار المقاوم والقيادي
تدرّج عبدالله يوسف اللداوي في صفوف المقاومة حتى تولّى قيادة كتيبة الشهيد عماد عقل في لواء الشمال، وهو موقع يعكس ثقة قيادته بقدراته العسكرية والتنظيمية. وقد تعرّض خلال مسيرته لعدة محاولات اغتيال، نجا من بعضها بأعجوبة، بينما تركت أخرى آثارًا جسدية دائمة، أبرزها فقدانه إحدى عينيه.
ورغم الإصابات المتكررة، لم يغادر الميدان، بل عاد إلى جبهات القتال بعد كل تعافٍ، في صورة تعكس إصراره على الاستمرار. وفي إحدى الحوادث، حوصر مع رفاقه داخل نفقٍ مظلم لمدة 22 يومًا بلا طعام تقريبًا وقليل من الماء، قبل أن يخرجوا بحالة صحية صعبة ويعودوا لاحقًا إلى المواجهة.
الإصابة الأخيرة والاستشهاد
في 19 أكتوبر 2025، أصيب عبدالله يوسف اللداوي إصابة بالغة خلال قصف جوي، ضمن خروقات لوقف إطلاق النار، ما أدى إلى بتر ذراعيه من الكتفين. ورغم خطورة حالته، استعاد وعيه مؤقتًا، وودّع أهله واستقبل زواره قبل أن تتدهور صحته ويدخل العناية المركزة لعدة أيام، ثم يفارق الحياة متأثرًا بجراحه،وكانت هذه الإصابة حلقة أخيرة في سلسلة محاولات اغتيال سابقة تعرّض لها على مدار سنوات.
عبدالله يوسف اللداوي الإنسان الكتوم
يصفه أفراد عائلته وأبناء المخيم بأنه “الأصغر والأشجع”، بينما يؤكد أصدقاؤه أنه كان كتومًا، لا يتحدث عن تفاصيل عمله أو يومه، ومتمسكًا بمخيمه الذي نشأ فيه.
ويروي أحد الناشطين موقفًا طريفًا خلال هدنة سابقة عندما قيل له مازحًا إنه لم يبق قائد في جباليا غيره، فأجاب بابتسامة هادئة: “إن شاء الله الجولة الجاية”، في تعبير يجمع بين التواضع والاستعداد الدائم.

بين الميدان والفكر
لم يقتصر دور عبدالله يوسف اللداوي على العمل العسكري، بل امتد إلى المجال الفكري؛ إذ ألّف كتابًا بعنوان “غراس حماس”، تناول فيه مسار الحركة منذ نشأتها حتى عملية “طوفان الأقصى”، مستعرضًا ما وصفه بأسس التربية الإيمانية والجهادية التي صنعت مجتمعًا مقاومًا، وقد عكس هذا العمل اهتمامه بالبعد الفكري والتنظيري، إلى جانب نشاطه الميداني.
وداع المخيم… وذكرى لا تغيب
برحيل عبدالله يوسف اللداوي أضاف مخيم جباليا اسمًا جديدًا إلى قائمة أبنائه الذين فقدهم خلال سنوات الصراع، لكن ذكراه بقيت حاضرة في الأحاديث والمساجد وذاكرة المكان.
رحل بهدوء كما عاش، تاركًا صورة رجل جمع بين إنسانية القريب وصلابة القائد، وحمل حلمًا بوطنٍ أفضل حتى لحظاته الأخيرة. وتبقى سيرته شاهدًا على تجربة جيلٍ نشأ في قلب المعاناة، واختار طريق المقاومة رغم الكلفة الباهظة.








