يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة، من خلال سلسلة من الهجمات الجوية والبرية والبحرية المنسقة التي استهدفت مناطق رفح، وشرقي غزة، ومخيم البريج، وخانيونس، في محاولة واضحة لفرض واقع عسكري جديد على الأرض.
هذا التصعيد الميداني، الذي يستهدف بشكل مباشر المباني السكنية ومراكز إيواء النازحين، يعكس تنصل الاحتلال من التزاماته الدولية، حيث استشهد الشاب أكرم حسن العرجاني (27 عاماً) جراء قصف استهدف منطقة "أرض الليمون" جنوبي خانيونس، ليرتفع بذلك عداد الضحايا في ظل صمت دولي مطبق. إن هذه الخروقات ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي سياسة ممنهجة تهدف إلى استنزاف ما تبقى من مقومات الحياة في القطاع، وتأتي في وقت حساس تتجه فيه الأنظار إلى العاصمة واشنطن لمعرفة مصير المرحلة الثانية من الاتفاق الذي يبدو أنه يواجه طريقاً مسدوداً بسبب الإصرار الإسرائيلي على إبقاء السيطرة العسكرية على مناطق واسعة من القطاع.
الحصيلة الدامية
وفقاً للتقرير الإحصائي اليومي الصادر عن وزارة الصحة في غزة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الـ24 الماضية 9 شهداء، جرى انتشال جثامين 6 منهم من تحت الأنقاض، وهو ما يرفع الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023 إلى رقم مرعب يبلغ 72,082 شهيداً، إضافة إلى 171,761 إصابة.
إن هذه الأرقام تعكس حجم الخسائر البشرية غير المسبوقة التي تكبدها القطاع على مدار أكثر من عامين من الإبادة الجماعية المتواصلة، حيث لم تقتصر الاستهدافات على القصف التقليدي، بل امتدت لتشمل القنص عبر طائرات "الكواد كوبتر" المسيرة التي أصابت مسناً في شمال القطاع، وإطلاق النار المباشر الذي استهدف فتاة في منطقة قيزان أبو رشوان.
إن هذا الاستنزاف البشري الممنهج يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته التاريخية والقانونية لوقف هذه المحرقة التي تتجاوز في وحشيتها كل النزاعات الحديثة، وتؤكد أن المدنيين هم الهدف الأول والأخير في بنك أهداف الاحتلال.
الواقع الميداني
على الصعيد الميداني، نفذ جيش الاحتلال عمليات نسف واسعة للمباني السكنية شرقي خانيونس، بالتزامن مع غارات جوية مكثفة شرق ما يعرف بـ "الخط الأصفر"، وتحليق مكثف للطيران الحربي على ارتفاعات منخفضة لإثارة الذعر بين المصلين والنازحين. كما طال القصف المدفعي المناطق الشرقية لمدينة غزة، وتحديداً حي الشجاعية، فيما تجدد القصف على مخيم البريج وسط القطاع، وسط إطلاق نار متكرر من الآليات العسكرية شرقي حي الزيتون.
هذه العمليات العسكرية التي تستهدف تدمير البنية التحتية والمربعات السكنية تهدف إلى إنشاء مناطق عازلة غير قانونية وتغيير ديموغرافية القطاع، مما يعرقل أي فرص مستقبلية لإعادة الإعمار أو عودة النازحين إلى ديارهم، ويؤكد أن الاحتلال يسعى لتحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للحياة عبر تدمير المنظومة السكنية والخدمية بشكل كامل وشامل.
المأزق السياسي
سياسياً، لا يزال الغموض يكتنف مصير المرحلة الثانية من اتفاق غزة عقب اجتماع "مجلس السلام" الذي عُقد في واشنطن برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فرغم الحديث عن رغبة أمريكية في إنهاء النزاع، إلا أن الإصرار الإسرائيلي على إبقاء السيطرة على محاور استراتيجية ومناطق واسعة من القطاع يمثل خرقاً جوهرياً لبنود الاتفاق الهش.
إن الرؤية الإسرائيلية التي تحظى بدعم ضمني في بعض الدوائر الأمريكية تسعى لتحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم، وهو ما يرفضه الفلسطينيون والوسطاء الإقليميون جملة وتفصيلاً. هذا التصلب في المواقف ينذر بانهيار التهدئة والعودة إلى مربع المواجهة الشاملة، مما يهدد بتفجير الأوضاع الإنسانية والأمنية ليس فقط في غزة، بل وفي المنطقة بأكملها، في ظل غياب ضمانات حقيقية تلزم الاحتلال بالانسحاب الكامل ورفع الحصار.
الحرب على الإغاثة
في خطوة تصعيدية أخرى، يواجه العمل الإنساني في غزة والضفة خطر الانهيار الشامل بعد قرار إسرائيل إنهاء نشاط 37 منظمة غير حكومية، من بينها منظمات دولية عريقة مثل "أطباء بلا حدود" و"المجلس النرويجي للاجئين".
وقد قدمت 17 منظمة دولية التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لوقف تنفيذ هذا القرار الذي سيدخل حيز التنفيذ خلال أيام، محذرة من "عواقب كارثية" على حياة المدنيين الذين يعتمدون كلياً على هذه المنظمات لتلقي العلاج والغذاء.
إن طرد هذه المنظمات يمثل حلقة جديدة في مسلسل الحصار، حيث يسعى الاحتلال لإفراغ القطاع من أي شهود دوليين على جرائمه، ومنع وصول المساعدات الطبية والإغاثية، مما يعمق الأزمة الإنسانية ويحول القطاع إلى سجن كبير يفتقر لأدنى المقومات الإغاثية، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.










