في ظل تداخل الأزمات الإنسانية التي تعصف بقطاع غزة، أطلق المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، نداءً عاجلاً وخطيراً للمواطنين والنازحين في مختلف مناطق القطاع، بضرورة الانتباه التام وأخذ أقصى درجات الحيطة والحذر مع الانخفاض الحاد والقياسي في درجات الحرارة الذي تشهده المنطقة خلال هذه الأيام.
وأكد بصل في تصريح رسمي أن هذه الموجة الباردة تأتي في وقت يعيش فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين في ظروف تفتقر لأدنى مقومات التدفئة أو الحماية من العوامل الجوية، مما يحول الانخفاض الجوي من مجرد ظاهرة طبيعية إلى خطر حقيقي يهدد الأرواح، خاصة في مراكز الإيواء والمناطق المفتوحة التي تكتظ بخيام النازحين المتهالكة.
وشدد المتحدث باسم الدفاع المدني على ضرورة مراقبة الأطفال وكبار السن والعائلات الأكثر ضعفاً بتركيز خاص، لا سيما أولئك الذين لا يملكون سوى الخيام القماشية والنايلون كمأوى لهم، مشيراً إلى أن البرد الشديد في غزة لم يعد مجرد معاناة عابرة، بل بات مسبباً لمضاعفات صحية خطيرة قد تصل إلى حالات وفاة مؤسفة نتيجة التجمد أو الالتهابات الرئوية الحادة وغياب وسائل التدفئة الآمنة.
وأوضح أن حالة الضعف العام التي يعاني منها أطفال غزة نتيجة سوء التغذية تجعل أجسادهم غير قادرة على مقاومة التدني الكبير في درجات الحرارة، مما يضاعف من مسؤولية المجتمع المحلي والمنظمات الدولية في توفير الحماية الفورية لهم.
تدابير الوقاية والمسؤولية
ودعا الدفاع المدني كافة المواطنين إلى اتخاذ جميع التدابير الوقائية الممكنة خلال هذه الفترة الحرجة، معتبراً أن سلامة الأبناء والعائلات هي "مسؤولية مشتركة" تقع على عاتق الجميع من أفراد ومؤسسات.
وشملت التوصيات ضرورة تأمين الخيام من الرياح الشديدة، ومحاولة توفير غطاء كافٍ للأطفال، والحذر الشديد عند استخدام وسائل التدفئة البديلة (مثل إشعال النار داخل الخيام) لتجنب كوارث الحرائق أو الاختناق بغاز ثاني أكسيد الكربون، وهي مخاطر متكررة تزداد في أوقات البرد القارس.
كما حث بصل المواطنين على التكاتف الاجتماعي وتفقد الجيران والنازحين الأقل حظاً لضمان عدم بقاء أي فرد وحيداً في مواجهة الصقيع الذي يفتك بالأجساد النحيلة.
ويأتي هذا النداء في وقت يعاني فيه جهاز الدفاع المدني نفسه من نقص حاد في الإمكانيات والمعدات نتيجة الحصار والاستهداف المستمر، مما يجعل الاستجابة لحالات الطوارئ الناتجة عن المنخفضات الجوية أمراً في غاية الصعوبة.
ومع ذلك، يؤكد الجهاز أن طواقمه في حالة استنفار دائم لتقديم المساعدة رغم شح الموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل المجتمع الدولي لاحتياجات النازحين في فصل الشتاء سيؤدي إلى كارثة إنسانية تفوق ما خلفته العمليات العسكرية. إن الرسالة التي وجهها محمود بصل ليست مجرد تحذير جوي، بل هي صرخة استغاثة لحماية ما تبقى من كرامة إنسانية وحياة للبشر الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في غزة.
خطر الموت في الخيام
إن التوصيف الدقيق لما يعيشه النازحون في خيامهم اليوم هو "صراع من أجل البقاء"، حيث تتحول الخيام في الليل إلى ثلاجات حقيقية تفتقر للعزل الحراري، ويتسرب إليها الهواء البارد من كل جانب. ويوضح الدفاع المدني أن تكرار المنخفضات الجوية مع غياب الملابس الشتوية الكافية والأغطية الثقيلة يجعل من النوم مهمة مستحيلة، ويحول الليل إلى رحلة عذاب للأمهات اللواتي يحاولن تدفئة أطفالهن بصدورهن.
هذه الظروف القاسية تستوجب تدخلاً فورياً لتوفير الكسوة الشتوية والخيام المقاومة للماء والبرد، وتأمين وقود التدفئة للمستشفيات ومراكز الإيواء الكبرى التي تعاني هي الأخرى من ضغوط هائلة.
يجدد الدفاع المدني نداءه بضرورة الالتزام بالتعليمات الصادرة عنه، والعمل بروح الفريق الواحد لمواجهة هذا التحدي الطبيعي الذي يضاف إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها القطاع.
إن مواجهة البرد في غزة تتطلب إرادة سياسية دولية لفتح المعابر وإدخال المستلزمات الإغاثية الشتوية، بقدر ما تتطلب وعياً وحرصاً من المواطنين على اتباع إرشادات السلامة العامة.
ستبقى صرخة الدفاع المدني شاهدة على مأساة شعب يُقتل بالقصف تارة، ويُقتل بالبرد والجوع تارة أخرى، في انتظار صحوة حقيقية للضمير العالمي توقف هذه المعاناة المستمرة تحت صقيع الشتاء ولهيب الحرب.










