في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز صمود المواطنين وتأمين لقمة العيش في ظل الظروف الراهنة، جدد برنامج الغذاء العالمي (WFP) التابع للأمم المتحدة، اليوم الخميس، عقود كافة المخابز العاملة في قطاع غزة لمدة ستة أشهر إضافية.
ويأتي هذا القرار لضمان استمرار تدفق الخبز المدعّم دون انقطاع، وهو المسار الذي بدأه البرنامج الأممي منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر الماضي.
ومن شأن هذا التمديد أن يوفر شبكة أمان غذائية لمئات الآلاف من العائلات التي تعتمد بشكل أساسي على الخبز كعنصر رئيسي في مائدتها اليومية، خاصة في ظل تذبذب أسعار السلع الأخرى وارتفاع معدلات الفقر والبطالة الناتجة عن تداعيات الحرب المستمرة.
وفي سياق متصل، حسم سمير شحادة، نائب رئيس اتحاد الصناعات الغذائية والزراعية وصاحب شركة مخابز العائلات، الجدل المثار حول استقرار أسعار الخبز، نافياً بشكل قاطع الأنباء المتداولة بشأن توقف المخابز عن بيع الخبز المدعّم بسعر 3 شواكل (ما يعادل أقل من دولار واحد).
وأكد شحادة في تصريحات صحفية أن المخابز ملتزمة بالاتفاقيات الموقعة مع برنامج الغذاء العالمي، بل وتستعد لتعزيز قدرتها الإنتاجية عبر افتتاح مخابز جديدة في الثالث من آذار/ مارس المقبل. وتهدف هذه التوسعة إلى تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان وتخفيف حدة الازدحام على المخابز الحالية، مما يضمن وصول الخبز المدعم إلى كافة المناطق الجغرافية في القطاع بشكل عادل ومنظم.
تحديات الإمدادات وقيود المعابر
وعلى الرغم من المبادرات الإيجابية لتمديد عقود المخابز، إلا أن الواقع الميداني لا يزال محفوفاً بالمخاطر والتهديدات التي تمس جوهر الأمن الغذائي. فقد كشف تقرير سابق لبرنامج الأغذية العالمي عن اضطراره لتقليص الحصص الغذائية العامة، بما في ذلك الدقيق، بنسبة تصل إلى 50% خلال شهر شباط/ فبراير الحالي.
وأرجع البرنامج هذا التقلص الحاد إلى نقص الإمدادات الواصلة عبر المعابر والقيود الإدارية والأمنية المفروضة على حركة الشاحنات، مما يجعل تمديد عقود المخابز "خطوة ناقصة" إذا لم يتبعها ضغط دولي حقيقي لضمان انسيابية دخول المواد الخام والوقود اللازم لتشغيل هذه المخابز بكامل طاقتها الإنتاجية.
وتتفاقم الأزمة الإنسانية بإعلان "المطبخ المركزي العالمي" (WCK) عن قرار صعب بتعليق عملياته الإغاثية في قطاع غزة اعتباراً من يوم الجمعة القادم، 27 شباط/ فبراير.
وأوضح المطبخ العالمي أن هذا التعليق المؤقت يأتي كنتيجة مباشرة للقيود المشددة المفروضة على دخول الشاحنات، والتي جعلت من استمرار العمليات اللوجستية أمراً مستحيلاً من الناحية الفنية والأمنية. إن غياب دور المطبخ المركزي العالمي، بالتزامن مع تقليص حصص برنامج الغذاء العالمي، يضع قطاع غزة أمام فجوة غذائية كبرى قد تؤدي إلى تدهور مستويات التغذية خاصة بين الأطفال والنازحين، مما يستوجب تحركاً عاجلاً لإعادة فتح الشرايين الإغاثية قبل فوات الأوان.
آفاق المرحلة المقبلة
إن المرحلة القادمة تتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات الدولية والقطاع الخاص الفلسطيني لضمان عدم انهيار منظومة الأمن الغذائي. فبينما يمثل تمديد عقود المخابز حتى أغسطس 2026 رسالة طمأنة للسكان، تظل العبرة في "القدرة على التنفيذ" وتوفير الدقيق والخميرة والوقود بانتظام.
ويتطلع المواطنون في غزة إلى افتتاح المخابز الجديدة في مارس كبصيص أمل لتطوير الخدمات الغذائية، في وقت تظل فيه الأنظار شاخصة نحو المعابر الحدودية، بانتظار انفراجة سياسية أو إنسانية تنهي سياسة التقطير الإغاثي وتسمح للمنظمات الدولية مثل المطبخ المركزي العالمي باستئناف نشاطها الحيوي في إطعام الجوعى والمتضررين.
يبقى الخبز في غزة أكثر من مجرد سلعة استهلاكية؛ إنه رمز للصمود والبقاء. إن نجاح برنامج الغذاء العالمي في تمديد عقوده لمدة ستة أشهر إضافية يعد انتصاراً دبلوماسياً واجتماعياً، لكنه يظل مهدداً ما لم يتم تحييد ملف الغذاء عن التجاذبات السياسية والعسكرية.
إن الحفاظ على سعر 3 شواكل لربطة الخبز هو الخط الأحمر الذي يجب ألا يتم تجاوزه لحماية الطبقات المسحوقة، وهو ما يتطلب التزاماً دولياً بتدفق المساعدات وتسهيل حركة التجارة، لضمان ألا تتحول غزة إلى ساحة لجوع لا يرحم وسط صمت دولي لم يعد مقبولاً في ظل المعايير الإنسانية لعام 2026.










