تُشير التطورات العاصفة في طهران، عقب الإعلان الرسمي عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين في "عملية الغضب الملحمي"، إلى أن النظام الإيراني يمر بأخطر اختبار لوجوده منذ ثورة 1979، وبينما تحاول الماكينة الإعلامية والبرلمان الإيراني تحويل هذه اللحظة إلى "ملحمة تعبئة"، تبرز تساؤلات وجودية حول قدرة الهياكل التقليدية على الصمود تحت وطأة القصف المستمر من قبل "أمريكا" وإسرائيل.
استراتيجية التعبئة خلف الجراح
يسعى النظام الإيراني، عبر تصريحات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى استثمار "صدمة الاغتيال" لتحويل الغضب الشعبي من الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية إلى "تعبئة وطنية قصوى" ضد العدو الخارجي.
ووفقا لتقارير إعلامية صادرة في 1 مارس 2026، فإن الخطاب الرسمي يركز على تصوير الضربات الأمريكية كاعتداء على "كرامة الأمة السيادية" وليس فقط على شخوص القيادة، في محاولة لإحداث أثر "الالتفاف حول العلم" الذي ناقشته الدراسات السياسية كأداة تحويلية في أوقات الأزمات.
بيد أن نجاح هذه التعبئة يواجه تحديات هائلة؛ فوفقاً لمحللين في "اقتصاد الشرق" و"الجزيرة"، فإن الفجوة العميقة بين السلطة والشارع الإيراني، والتي تعمقت خلال احتجاجات العام الماضي، قد تجعل الاستجابة الشعبية فاترة أو مقتصرة على القواعد الأيديولوجية الصلبة للنظام. ومع إعلان الرئيس "ترامب" أن الهدف هو "تحرير الشعب الإيراني"، تراهن واشنطن على أن انهيار هرم القيادة سيؤدي إلى تآكل الروح القتالية للميليشيات والقوات النظامية، مما يحول "لحظة التعبئة" إلى "لحظة انكسار" وتفكك داخلي.
سيناريوهات السلطة في مهب الحرب
مع غياب "المرشد" الذي كان يمثل حجر الزاوية في التوازنات السياسية، دخلت إيران مرحلة انتقالية قسرية تحت النار، حيث أعلن الرئيس مسعود بزشكيان عن بدء عمل "المجلس المؤقت لقيادة البلاد".
ووفقاً لصحيفة "العربية"، يضم هذا المجلس رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وعضوا من مجلس صيانة الدستور، إلا أن السلطة الفعلية باتت تتأرجح بين ثلاث سيناريوهات رئيسية تتشكل ملامحها في أروقة "بيت القائد" المدمر.
السيناريو الأول (الحكم العسكري): إحكام الحرس الثوري سيطرته الكاملة على مفاصل الدولة، وتهميش القوى المدنية تحت ذريعة "حالة الحرب"، وهو ما قد يحول إيران إلى دكتاتورية عسكرية قومية قادرة على إدارة المواجهة لكنها تفتقر للشرعية الدينية التقليدية.
السيناريو الثاني (الفراغ الفوضوي): تفجر الصراعات بين أجنحة النظام (المتشددين والإصلاحيين) وبين القيادات العسكرية المختلفة حول هوية "المرشد القادم"، مما قد يؤدي إلى شلل في اتخاذ القرار العسكري والسياسي تزامناً مع استمرار الضربات.
السيناريو الثالث (الانتقال البراغماتي): ظهور تيار "عقلاني" داخل النظام، مدعوم من وساطات إقليمية (عمانية وقطرية)، يسعى لعقد صفقة سريعة لوقف القصف مقابل تنازلات مؤلمة، وهو سيناريو يبدو صعباً في ظل إصرار إدارة "ترامب" على تغيير سلوك النظام جذرياً أو إسقاطه.
تماسك النظام تحت مقصلة الاغتيالات
يمثل استهداف "هرم القيادة" ضربة قاصمة لمبدأ "ولاية الفقيه" الذي يعتمد على شخصية الكاريزما المركزية؛ فغياب خامنئي ومن خلفه قادة مثل "باكبور" و"شمخاني" يقطع خيوط الاتصال والسيطرة بين القيادة المركزية والقواعد الميدانية في الداخل والخارج. وبحسب تقرير لـ "فورين بوليسي"، فإن تماسك النظام يعتمد الآن على "البيروقراطية العسكرية" للحرس الثوري، لكن فقدان "المظلة الدينية" التي كان يوفرها المرشد قد يغري بعض الوحدات العسكرية بالتمرد أو الانكفاء على حماية مناطقها الجغرافية فقط.
إن الاجتماع الطارئ للوكالة الدولية للطاقة الذرية غداً الاثنين 2 مارس 2026، بطلب من روسيا، قد يمثل الفرصة الأخيرة لهذا النظام "المبتور الرأس" لإثبات قدرته على المناورة الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن "إيران ما بعد 1 مارس" لن تشبه أبداً ما قبلها، حيث أدت استراتيجية "قطع الرأس" التي انتهجتها "أمريكا" وإسرائيل إلى وضع الدولة الإيرانية أمام خيارين أحلاهما مر: إما التحول إلى نظام عسكري منغلق يواجه حصاراً طويلاً، أو الانهيار التدريجي تحت وطأة التفكك الداخلي والقصف الخارجي.









