واصل الذهب ارتفاعه للجلسة الخامسة على التوالي، الثلاثاء، في مؤشر واضح على تعمّق المخاوف الجيوسياسية عالمياً، مع إقبال المستثمرين على الأصول التي تمثل ملاذاً آمناً وسط تصاعد الحرب على إيران. ويعكس هذا المسار المتسارع انتقال الأسواق من حالة الترقب إلى حالة التسعير المباشر لسيناريوهات التصعيد المفتوح، في ظل العدوان الأميركي الإسرائيلي وتداعياته المحتملة على استقرار المنطقة.
تصاعد الحرب على إيران يدفع المستثمرين إلى الذهب
أثارت الوتيرة المتصاعدة للحرب الجوية الأميركية والإسرائيلية، وردود إيران، مخاوف من أن يتحول الصراع إلى حرب إقليمية طويلة الأمد، وأدى ذلك إلى تفاقم حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية. ومع كل جولة تصعيد، تتزايد رهانات المستثمرين على أن المخاطر لم تعد محدودة في نطاق جغرافي ضيق، بل باتت تهدد ممرات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 1% إلى 5377.21 دولار للأوقية (الأونصة)، بحلول الساعة 0122 بتوقيت جرينتش، في استمرار لموجة صعود تعكس التحول الواضح في مزاج السوق. وفي الجلسة السابقة، زاد سعر الذهب إلى أعلى مستوى له في أكثر من أربعة أسابيع، بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في مطلع الأسبوع، في تطور اعتبرته الأسواق نقطة انعطاف في مسار التوتر.
كما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أبريل 1.5% إلى 5391.90 دولار، وهو ما يعكس اتساع الرهان على استمرار الصعود في المدى القريب، مدفوعاً بالتحوط من مخاطر توسع رقعة الحرب.
مضيق هرمز والصدمة النفطية: وقود إضافي لارتفاع الذهب
نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مسؤول كبير في الحرس الثوري قوله، الاثنين، إن مضيق هرمز تم إغلاقه، محذراً من أن بلاده ستطلق النار على أي سفينة تحاول المرور عبر الممر المائي الاستراتيجي. ويُعد هذا التحذير الأكثر صراحة من طهران منذ إبلاغها للسفن، السبت، أنها ستغلق المضيق، وهي خطوة تهدد بوقف خُمس تدفقات النفط العالمية ورفع أسعار الخام بشكل حاد.
إغلاق مضيق هرمز أو حتى تهديد الملاحة فيه لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل صدمة اقتصادية عالمية محتملة، نظراً لأهمية الممر في تجارة الطاقة. ومع ارتفاع أسعار النفط، تتزايد مخاوف التضخم عالمياً، وهو ما يدفع المستثمرين إلى تعزيز مراكزهم في الذهب كأداة تحوط تقليدية ضد ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية للعملات.
الدولار والذهب
حوّم الدولار بالقرب من أعلى مستوى في أكثر من خمسة أسابيع، والذي وصل إليه الاثنين، مدعوماً بالطلب القوي وتوخي الحذر في السوق. وعادة ما يؤدي ارتفاع الدولار إلى جعل الأصول المقومة به، مثل الذهب، أكثر تكلفة بالنسبة لحاملي العملات الأخرى، ما يضغط على أسعاره.
لكن هذه العلاقة العكسية ليست مطلقة. ففي أوقات عدم اليقين المتزايد، مثل الصراعات المتصاعدة أو تقلبات السوق الأوسع نطاقاً، غالباً ما يشتري المستثمرون كلاً من الدولار والذهب باعتبارهما أصولاً آمنة. وهذا ما يحدث حالياً، حيث يتقاسم الاثنان دور الملاذ في مواجهة مخاطر الحرب.
وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق في "كيه.سي.إم تريد": "لا يزال نطاق الصراع ومدته غير محددين، ومع وجود هذه الضبابية، يستحوذ الذهب على الحصة الأكبر من الطلب على الملاذات الآمنة". وأضاف: "كان من الممكن أن يتداول الذهب عند مستويات أعلى من المستويات الحالية لولا ارتفاع الدولار منذ احتدام الصراع. تشغل مخاوف التضخم اهتمام المتداولين في الوقت الحالي، بالنظر إلى اتجاه أسعار النفط، وانخفاض أحجام الشحن عبر مضيق هرمز".

العدوان الأميركي الإسرائيلي
العدوان الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لم يبقَ في الإطار العسكري فحسب، بل امتد آثاره إلى بنية الأسواق العالمية. فالمستثمرون باتوا يعيدون تسعير المخاطر الجيوسياسية، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في منظومة الطاقة العالمية بأكملها.
هذا العدوان وما تبعه من ردود إيرانية وضع المنطقة أمام احتمال مواجهة طويلة الأمد، وهو ما يعزز بقاء الذهب في دائرة الضوء كأصل دفاعي. وكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالات استمرار تدفقات السيولة نحو الذهب، خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع إضافي في أسعار النفط وتعمق الضغوط التضخمية.
المعادن النفيسة الأخرى تلحق بموجة الصعود
لم يقتصر الصعود على الذهب وحده، إذ ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 1.4% إلى 90.67 دولار للأوقية، الثلاثاء، بعد أن صعدت إلى أعلى مستوى في أكثر من أربعة أسابيع في الجلسة السابقة. كما زاد البلاتين في المعاملات الفورية 0.6% إلى 2316.50 دولار، بينما ارتفع البلاديوم 1.6% إلى 1795.08 دولار.
غير أن الذهب يظل المستفيد الأكبر من أجواء الحرب وعدم اليقين، باعتباره الأصل الأكثر ارتباطاً بالتحوط من المخاطر الجيوسياسية. ومع استمرار العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، تبقى الأسواق رهينة مسار التصعيد، فيما يواصل الذهب أداء دوره التاريخي كملاذ في زمن الأزمات.










