20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

(خاص)..الإعلام العبري ومحددات الرؤية الإسرائيلية للحرب الإقليمية مع إيران

تشير القراءة المتقاطعة لمضامين الإعلام العبري خلال المرحلة الحالية إلى أن المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل تنظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها لحظة استراتيجية مفصلية تتجاوز إطار التصعيد العسكري التقليدي

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
٤ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
40 مشاهدة
(خاص)..الإعلام العبري ومحددات الرؤية الإسرائيلية للحرب الإقليمية مع إيران

(خاص)..الإعلام العبري ومحددات الرؤية الإسرائيلية للحرب الإقليمية مع إيران

تشير القراءة المتقاطعة لمضامين الإعلام العبري خلال المرحلة الحالية إلى أن المؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل تنظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها لحظة استراتيجية مفصلية تتجاوز إطار التصعيد العسكري التقليدي، وتتجه نحو محاولة إعادة صياغة البيئة الإقليمية وموازين الردع في الشرق الأوسط على المدى الطويل. فالتغطية الإعلامية لا تركز فقط على العمليات العسكرية الجارية، بل تعكس تصوراً استراتيجياً يقوم على استثمار الحرب لإحداث تغيير بنيوي في بنية القوة الإيرانية وشبكة حلفائها الإقليميين.

أولى ملامح هذا التصور تتمثل في التركيز المكثف على ملف القيادة الإيرانية واحتمالات مرحلة ما بعد المرشد، حيث يظهر بوضوح أن إسرائيل تنظر إلى استهداف مراكز القرار القيادي كأداة لإحداث خلل داخلي طويل الأمد داخل النظام الإيراني. الاهتمام الإعلامي باجتماعات مجلس الخبراء واحتمالات اختيار قيادة جديدة لا يُقرأ بوصفه متابعة سياسية فقط، بل باعتباره جزءاً من تقدير إسرائيلي يرى أن إضعاف تسلسل القيادة قد يخلق أزمة قرار داخلية تقلص قدرة إيران على إدارة حرب طويلة متعددة الجبهات. وعليه، فإن البعد القيادي أصبح هدفاً استراتيجياً موازياً لضرب القدرات العسكرية.

في السياق ذاته، تكشف التحليلات العبرية عن انتقال العقيدة العسكرية الإسرائيلية من مفهوم الردع التقليدي إلى استراتيجية استنزاف مركبة تستهدف عناصر القوة الإيرانية تدريجياً، سواء عبر ضرب القدرات الصاروخية أو توسيع نطاق الضغط الجغرافي ليشمل ساحات متعددة في وقت واحد. ويظهر من الخطاب العسكري المعلن أن إسرائيل تسعى إلى تقليص القدرة النارية الإيرانية بصورة تراكمية، وليس عبر ضربة حاسمة واحدة، بما يفرض على طهران استنزاف مواردها الدفاعية والسياسية مع مرور الزمن.

بالتوازي، يبرز عامل التنسيق الأمريكي-الإسرائيلي باعتباره محدداً مركزياً في إدارة الصراع. فالتقارير العبرية التي تتحدث عن تقسيم جغرافي للعمليات داخل إيران تشير إلى مستوى غير مسبوق من التكامل العملياتي، ما يعني أن إسرائيل تتحرك ضمن مظلة استراتيجية أمريكية أوسع، تهدف إلى تحويل المواجهة إلى ضغط مستمر متعدد الأدوات، يجمع بين القوة العسكرية والضغط السياسي والاقتصادي. هذا التنسيق يعزز القدرة العملياتية، لكنه في الوقت ذاته يربط هامش الحركة الإسرائيلي باستدامة الدعم السياسي داخل الولايات المتحدة.

ومن زاوية أخرى، تعكس التغطية العبرية إدراكاً متزايداً لحساسية الجبهة الداخلية الأمريكية، خاصة بعد تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة حول كلفة الحرب وجدواها. إذ تُظهر المتابعات الإسرائيلية قلقاً واضحاً من تنامي تيارات انعزالية ترى أن المواجهة مع إيران تخدم المصالح الإسرائيلية أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية، وهو عامل قد يتحول إلى قيد استراتيجي إذا اتسعت الخسائر البشرية أو الاقتصادية الأمريكية.

على المستوى الإقليمي، تكشف المؤشرات الواردة في الإعلام العبري عن توجه إسرائيلي لربط مسارات الصراع ببعضها ضمن معادلة واحدة، حيث يجري التعامل مع إيران وحزب الله وساحات الخليج باعتبارها جبهة استراتيجية موحدة. تعزيز القوات على الحدود اللبنانية والاستعداد لسيناريو عملية برية يعكسان تقديراً إسرائيلياً بأن إضعاف إيران مركزياً سينعكس تلقائياً على تراجع قدرات حلفائها، ما يجعل ضرب طهران مدخلاً لإعادة تشكيل ميزان القوى في لبنان والمنطقة ككل.

كما يظهر في بعض الكتابات النقدية داخل الصحافة العبرية نقاش داخلي حول شرعية سياسة التفوق العسكري المطلق، وهو نقاش يعكس توتراً بين الحاجة الأمنية الإسرائيلية إلى احتكار القوة وبين المخاوف من أن يؤدي الاستخدام المفرط لها إلى تقويض الشرعية الدولية لإسرائيل. ورغم محدودية هذا التيار، فإنه يشير إلى إدراك متنامٍ بأن الحرب الحالية تحمل مخاطر سياسية موازية لمكاسبها العسكرية.

في المحصلة، توضح القراءة الاستراتيجية للإعلام العبري أن إسرائيل لا تدير مواجهة عسكرية محدودة، بل تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة: إضعاف بنية القرار الإيراني، تقليص القدرات العسكرية لمحور المقاومة عبر الاستنزاف المتدرج، وترسيخ واقع إقليمي جديد قائم على تفوق عسكري طويل الأمد مدعوم أمريكياً. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يبقى مرهوناً بعاملين حاسمين: قدرة إسرائيل على منع توسع الحرب إلى مواجهة شاملة غير قابلة للضبط، واستمرار الغطاء السياسي الأمريكي في ظل تزايد الضغوط الداخلية داخل الولايات المتحدة.

وعليه، تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى صراع إعادة تشكيل استراتيجي طويل الأمد، حيث تتحول العمليات العسكرية الجارية إلى أدوات ضمن عملية أوسع لإعادة تعريف قواعد الردع وحدود القوة في الشرق الأوسط، أكثر من كونها مجرد جولة تصعيد عابرة.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال