أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأربعاء، حزمة جديدة من القرارات العسكرية الجائرة التي تستهدف الوجود الفلسطيني في قلب الضفة الغربية، حيث شملت هذه القرارات أوامر بهدم وإخلاء عدد من المنازل السكنية، بالإضافة إلى قطع أشجار الزيتون المعمرة على مساحات شاسعة من الأراضي.
وتأتي هذه الخطوات الممنهجة في إطار سعي الاحتلال المستمر لتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي، وفرض بيئة طاردة للسكان الأصليين من خلال تدمير سبل عيشهم وتضييق الخناق على ممتلكاتهم الخاصة، في تحدٍ صارخ لكافة القوانين والمواثيق الدولية التي تمنع مصادرة الأملاك في المناطق المحتلة.
في بلدة "الخضر" الواقعة جنوب بيت لحم، أقدمت قوات الاحتلال على اقتحام الأحياء السكنية والتمركز فيها، قبل أن تسلم المواطن رجائي عادل صبيح إخطاراً عسكرياً يقضي بإخلاء منزله فوراً.
وبحسب المصادر المحلية، فإن الهدف من هذا الإخلاء هو تحويل المنزل إلى ثكنة عسكرية ونقطة مراقبة لجيش الاحتلال، ما يعكس توظيف العقارات المدنية لأغراض قمعية. هذا الإجراء ليس مجرد اعتداء فردي، بل هو جزء من سياسة أوسع لتحويل حياة المواطنين الفلسطينيين إلى جحيم يومي عبر عسكرة الأحياء السكنية وتحويل البيوت الآمنة إلى منصات لاستهداف المارة والتحكم في حركة السكان.
اجتثاث شجر الزيتون
لم تقتصر اعتداءات اليوم على الحجر، بل امتدت لتطال الشجر الذي يمثل رمز الصمود الفلسطيني، حيث أصدر الاحتلال قراراً بقطع أشجار الزيتون في مناطق "عيون الحرامية" و"وادي البلاط" و"وادي الزيتون" التابعة لبلدة "سلواد" شرق رام الله.
وتعتبر هذه المناطق من أخصب الأراضي الزراعية التي تعتمد عليها مئات العائلات في تأمين قوت يومها، ويأتي قرار القطع كخطوة تمهيدية لمصادرة تلك الدونمات لصالح التوسع الاستيطاني أو لدواعٍ أمنية واهية، مما يهدد بوقوع كارثة اقتصادية وبيئية في المنطقة المستهدفة التي لطالما كانت شاهدة على تجذر الفلسطيني في أرضه.
إن استهداف قطاع الزيتون يعد حرباً اقتصادية مفتوحة يشنها الاحتلال والمستوطنون على حد سواء، تهدف إلى إضعاف القدرة الإنتاجية للمزارع الفلسطيني وإجباره على ترك أرضه.
فمن خلال تجريف الأراضي وقطع الأشجار المثمرة، يسعى الاحتلال لقطع الرابط التاريخي بين المواطن وأرضه، وتسهيل عملية السيطرة عليها لضمها لاحقاً للمستوطنات القريبة.
وتترافق هذه القرارات مع اعتداءات ميدانية متكررة تمنع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، مما يحول مساحات واسعة من الضفة إلى مناطق عسكرية مغلقة يُحرم أصحابها الشرعيون من الاستفادة من خيراتها.
الاعتقالات والتنكيل الميداني
بالتزامن مع قرارات الهدم، واصلت قوات الاحتلال حملات المداهمة والاعتقال، حيث اقتحمت بلدة "نحالين" وشنت عمليات تفتيش دقيقة وعبث بمحتويات منازل المواطنين.
وأسفرت هذه المداهمة عن اعتقال الشاب فادي إبراهيم محمود شكارنة وشقيقه محمد، بعد التنكيل بذويهما وترهيب سكان المنطقة. وتعد هذه الاعتقالات جزءاً من سياسة العقاب الجماعي التي تتبعها القوات الإسرائيلية لكسر إرادة الشباب الفلسطيني، وإشعار المجتمع بأن أحداً ليس بمنأى عن الملاحقة الأمنية، حتى داخل بيوتهم التي يتم اقتحامها في ساعات متأخرة من الليل وفجر اليوم.
هذه الممارسات الميدانية تعكس رغبة الاحتلال في فرض قبضة أمنية مشددة على كافة القرى والبلدات، حيث يتم استخدام الاعتقالات كوسيلة للضغط النفسي والسياسي.
ويشير مراقبون حقوقيون إلى أن وتيرة الاعتقالات في مطلع عام 2026 شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، حيث تركزت على الأشقاء والشباب النشطاء، بهدف تفريغ القرى من الكوادر الفاعلة التي تتصدى لمخططات الاستيطان.
إن عمليات المداهمة لا تقتصر على الاعتقال فقط، بل تترك خلفها دماراً في الممتلكات وأثاراً نفسية بالغة على الأطفال والنساء، مما يزيد من حالة الاحتقان والغضب الشعبي تجاه هذه الممارسات القمعية.
إحصائيات يناير المرعبة
كشف مركز معلومات فلسطين "معطى" في تقريره الأخير عن حجم الانتهاكات الضخم الذي ارتكبه الاحتلال والمستوطنون خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، حيث تم رصد ما مجموعه 6785 حالة انتهاك في مختلف محافظات الضفة الغربية والقدس.
وتظهر هذه الأرقام أننا أمام مرحلة هي الأكثر دموية وعدوانية، حيث يسابق الاحتلال الزمن لفرض وقائع جديدة على الأرض. وشملت هذه الانتهاكات عمليات القتل، والإصابات، والاعتقالات، ومصادرة الممتلكات، بالإضافة إلى التضييق على الحريات الدينية ومنع المصلين من الوصول إلى الأماكن المقدسة، مما يعكس حالة من الانفلات الأمني والعسكري الإسرائيلي.
وأشار التقرير إلى أن آليات الاحتلال هدمت خلال الشهر الماضي وحده 273 منزلاً ومنشأة، منها 32 منزلاً دُمرت بالكامل، ما أدى إلى تشريد عشرات العائلات في ظل ظروف جوية قاسية.
إن هذه الأرقام تعطي دلالة واضحة على أن سياسة الهدم لم تعد حالات استثنائية، بل أصبحت استراتيجية شاملة تهدف إلى محو القرى الفلسطينية وتوسيع رقعة السيطرة الإسرائيلية. كما رصد المركز 61 نشاطاً استيطانياً مكثفاً شمل تجريف الأراضي وشق طرق التفافية جديدة مخصصة للمستوطنين، مما يؤدي إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويلها إلى كانتونات معزولة يصعب التواصل بينها.
إرهاب المستوطنين المنظم
لم يتوقف العدوان عند حدود العمل الرسمي للجيش، بل برز دور المستوطنين كذراع مكملة للاحتلال، حيث نفذوا 528 اعتداءً مباشراً ضد المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال شهر يناير الماضي.
وتنوعت هذه الاعتداءات بين مهاجمة المنازل، وحرق المركبات، والاعتداء على المزارعين، وسرقة المحاصيل، وغالباً ما تتم هذه الهجمات تحت حماية وحراسة مشددة من قوات الجيش.
إن هذا التكامل بين إرهاب المستوطنين والقرارات العسكرية الرسمية يهدف إلى خلق واقع مرعب يدفع الفلسطينيين للتفكير في الرحيل، وهو ما يفشل دائماً أمام صمود المواطن وتمسكه بأرضه رغم كل التضحيات.










