20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سمير أبو مدللة يوضح.. كيف يمكن تحويل ركام غزة إلى قاعدة لانطلاق اقتصاد وطني صامد؟

إن الحديث عن التعافي الاقتصادي في غزة اليوم لم يعد مجرد ترف فكري أو نقاش في أروقة الأكاديميا، بل استحال ضرورة وطنية وإنسانية قصوى

بقلم: خاص_ 180 تحقيقات
٥ مارس ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
22 مشاهدة
سمير أبو مدللة

سمير أبو مدللة

في ظل المشهد المأساوي والدمار الهائل الذي أصاب البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية في قطاع غزة، يبرز التساؤل الجوهري حول مستقبل الاقتصاد الفلسطيني في هذا الجيب الساحلي المحاصر.

 إن الحديث عن التعافي الاقتصادي في غزة اليوم لم يعد مجرد ترف فكري أو نقاش في أروقة الأكاديميا، بل استحال ضرورة وطنية وإنسانية قصوى لا تقبل التأجيل. 

يرى أ.د. سمير مصطفى أبو مدللة، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة، أن الاقتصاد الغزي الذي يرزح تحت حصار خانق منذ عام 2007 يواجه الآن تحديات مركبة ومعقدة، تتطلب صياغة رؤية استراتيجية شاملة تتجاوز منطق المعالجات الجزئية والحلول الترقيعية المؤقتة، نحو مقاربة بنيوية جذرية تعالج أصل الاختلالات الوظيفية والهيكلية في المنظومة الاقتصادية المحلية.

وتؤكد القراءات الاقتصادية المتفحصة للواقع الميداني أن أولويات التعافي لا يمكن حصرها في مسارات متنافسة أو منفصلة، بل يجب النظر إليها كحلقات مترابطة بإحكام ضمن إطار ما يسمى بـ "التعافي المرحلي المدروس"، هذا المفهوم، كما يطرحه أبو مدللة، يقوم على تراتبية منطقية تبدأ بالاستجابة للضرورات المعيشية القصوى التي تمس صلب الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، وصولاً إلى تشييد دعائم تنمية مستدامة وحقيقية تمتلك القدرة والصلابة الكافية للصمود في وجه الصدمات المستقبلية، سواء كانت تلك الصدمات ذات منشأ سياسي، أمني، أو مالي ناتج عن تذبذب أموال المانحين.

أولويات البنية التحتية كقاعدة للانطلاق التنموي

في مقدمة هذه الأولويات الاستراتيجية، يتربع ملف إصلاح البنية التحتية المدمرة على عرش الاحتياجات؛ فشبكات الكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والطرق، والمرافق الصحية تمثل الشرايين الحيوية لأي تجمع بشري. 

ويشدد أبو مدللة على أنه بدون توفر شبكة خدمات أساسية مستقرة وفعالة، لن تنجح أي محاولة لإطلاق نشاط إنتاجي أو استثماري. فالبنية التحتية في المنظور الاقتصادي الحديث ليست مجرد مرافق خدمية، بل هي القاعدة الصلبة والأساس المتين الذي يُبنى عليه الاقتصاد القومي برُمته، وهي أيضاً المؤشر الأول الذي يمنح الثقة للمستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء للبدء في ضخ رؤوس الأموال وتحريك عجلة الإنتاج.

وتأتي عملية إعادة الإعمار لتشكل الأولوية الثانية، بوصفها رافعة إنسانية واقتصادية في آن واحد. فهي من الناحية الإنسانية تعيد الكرامة والمأوى لآلاف الأسر التي شردها الدمار، ومن الناحية الاقتصادية تمثل المحرك المباشر والفعال للدورة الاقتصادية من خلال تنشيط قطاع المقاولات، وصناعات مواد البناء، والمهن المرتبطة بها، مما يساهم في امتصاص جزء كبير من العمالة المتعطلة، إلا أن أبو مدللة يرى ضرورة ألا يقتصر الإعمار على "إعادة الحال إلى ما كان عليه"، بل يجب التوجه نحو "إعادة البناء بشكل أفضل"، عبر اعتماد معايير البناء الأخضر الموفر للطاقة، وتحسين التخطيط العمراني بما يتلاءم مع الكثافة السكانية الخانقة في القطاع.

تعزيز المنشآت الصغيرة والاستثمار في رأس المال البشري

بالتوازي مع ورشة الإعمار الكبرى، يبرز دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة كخيار استراتيجي لا غنى عنه في بيئة غزة الاقتصادية. فبعد التدمير الممنهج الذي طال المنشآت الكبرى، أصبحت هذه المشاريع الصغيرة هي العمود الفقري الحقيقي للاقتصاد المحلي، وقدرتها على توليد دخل سريع للأسر والحد من الاعتماد الكلي على المساعدات الإغاثية تجعلها محوراً للارتكاز. 

ويقترح أبو مدللة أن يتجاوز الدعم المقدم لهذه الفئة مجرد التمويل النقدي المباشر، ليشمل إنشاء حاضنات أعمال متطورة، وتقديم إعفاءات ضريبية ملموسة، وضمانات ائتمانية تسهل وصولهم للقروض، مع ضرورة ربط هذه المشاريع بالأسواق الخارجية عبر التكنولوجيا الرقمية لتجاوز عوائق الجغرافيا والحصار.

أما المعضلة الأكبر التي تواجه صناع القرار الاقتصادي، فهي مشكلة البطالة المزمنة التي تفتك بجيل الشباب والخريجين. وهنا يؤكد أ.د. سمير مصطفى أبو مدلله أن الحل لا يكمن في المسكنات، بل في برامج تشغيل مرتبطة عضوياً بمشاريع الإعمار، وتوسيع آفاق التدريب المهني التقني الذي يلبي احتياجات السوق الفعلية. إن دمج الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد ضمن رؤية التعافي القومي سيفتح آفاقاً رحبة للشباب الغزي لتجاوز قيود المعابر والحواجز، فالعقل البشري الفلسطيني هو المورد الوحيد الذي لا يمكن حصاره، والاستثمار فيه هو الضمانة الأكيدة لأي تنمية طويلة الأمد.

الصحة والتعليم: ركائز المناعة الاجتماعية والاقتصادية

لا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي في ظل مجتمع منهك صحياً وتعليمياً. لذا، يكتسب ملف إعمار قطاعي الصحة والتعليم أهمية سيادية واستراتيجية قصوى. 

يوضح أبو مدللة، أن إعادة بناء المستشفيات والمراكز الطبية وتجهيزها بأحدث التقنيات يمثل صمام أمان لاستقرار المجتمع وقدرته على الإنتاج؛ إذ لا يمكن لبشر يعانون من نقص الرعاية الصحية أن يسهموا بفعالية في العملية التنموية، وبالمثل، فإن ترميم المدارس والجامعات وتطوير المناهج لتواكب العصر هو استثمار في "رأس المال البشري" يمنع انزلاق الأجيال القادمة في فخ الفقر المعرفي والتجهيل الذي تفرضه ويلات الحروب المتكررة.

وفيما يخص التمويل، فإن الفجوة التمويلية الهائلة الناتجة عن حجم الدمار تفوق بمراحل قدرة أي طرف محلي على سدها، مما يجعل الدعم الدولي والإقليمي قدراً محتوماً، وهنا يبرز الدور الحيوي لجهات مانحة كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمؤسسات الأممية، بالإضافة إلى الدعم العربي السخي المأمول من دول الخليج والجوار. ويشير أ.د. سمير مصطفى أبو مدلله إلى أن مؤسسات كالبنك الدولي تضطلع بدور محوري في تقديم القروض الميسرة والدعم الفني للمشاريع السيادية الكبرى التي تحتاج لخبرات إدارية ومالية عالمية.

تحديات الحوكمة وتحييد الاقتصاد عن التجاذبات السياسية

إن تدفق أموال الإعمار واستدامتها يظلان رهينة لعنصري "الثقة والحوكمة"؛ حيث يطالب المانحون دائماً بضمانات لعدم هدر الأموال. وفي هذا الصدد، يشدد أبو مدللة، على ضرورة بناء منظومة شفافة ومستقلة لإدارة أموال الإعمار، تخضع لرقابة مزدوجة (فلسطينية ودولية) بمشاركة فاعلة من مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وإن توحيد المرجعيات الإدارية والمالية هو الممر الإلزامي الوحيد لطمأنة المانحين وضمان وصول الدعم لمستحقيه بعيداً عن دهاليز المحسوبية أو البيروقراطية المعطلة.

يبقى التحدي السياسي هو العائق الأبرز؛ فالسؤال حول إمكانية تحييد الاقتصاد عن التجاذبات السياسية والانقسام الداخلي يظل مفتوحاً على مصراعيه. 

يرى أبو مدللة أن التجربة المريرة للسنوات الماضية أثبتت أن لقمة عيش المواطن ورواتب الموظفين ومشاريع التنمية قد تم توظيفها في كثير من الأحيان كأدوات للضغط السياسي في صراع القوى، لذا، فإن أي إطار إداري جديد لن يكتب له النجاح ما لم يحظَ بتوافق وطني عريض وغطاء إقليمي يحمي الملف الاقتصادي من التسييس، فالتنمية المستدامة تتطلب بيئة سياسية مستقرة وإرادة جامعة تعلي المصلحة الوطنية العليا فوق المصالح الحزبية الضيقة.

نحو سيادة اقتصادية وكسر حلقات الاستنزاف

في نهاية المطاف، يجب إعادة تعريف العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسيادة في الحالة الفلسطينية. فمن الصعب تصور اقتصاد مزدهر في غزة وهو يفتقر لأبسط مقومات السيادة على الموارد والمعابر. 

يؤكد أبو مدللة، أن أي انتعاش اقتصادي سيظل هشاً ومؤقتاً ما لم يتم انتزاع ضمانات دولية حقيقية لفتح المعابر بشكل دائم، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، وتدشين منافذ تجارية بحرية وبرية مستقرة تكسر طوق التبعية القسرية.

إن التعافي الاقتصادي في قطاع غزة ليس مجرد معادلة حسابية في ميزانيات الدول المانحة، بل هو مسار كفاحي متكامل يتقاطع فيه البعد التنموي مع البعد السيادي والوطني وإن الانتقال من "اقتصاد الإغاثة" إلى "اقتصاد التنمية" يتطلب رؤية استراتيجية واضحة المعالم، تستثمر في الإنسان الفلسطيني بقدر استثمارها في الحجر والبناء، ودون توفر الإرادة السياسية الصادقة والشفافية المطلقة، ستظل خطط الإعمار حبراً على ورق، وسيبقى اقتصاد غزة أسيراً لحلقات مفرغة من الاستنزاف، بانتظار فجر جديد من الاستقرار والازدهار الحقيقي الذي يستحقه هذا الشعب الصامد.

خاص_ 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال