21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الأورومتوسطي : إسرائيل تمارس "إبادة تعليمية" ممنهجة لمحو مستقبل أجيال غزة

استمرار السلطات الإسرائيلية في ممارسة ما أسماه "الإبادة التعليمية" الممنهجة ضد سكان قطاع غزة، وذلك بعد مرور 28 شهراً من العدوان العسكري المتواصل.

بقلم: محمد خميس
٥ مارس ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
13 مشاهدة
الأورومتوسطي

الأورومتوسطي

كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان حقوقي مفصل ، عن استمرار السلطات الإسرائيلية في ممارسة ما أسماه "الإبادة التعليمية" الممنهجة ضد سكان قطاع غزة، وذلك بعد مرور 28 شهراً من العدوان العسكري المتواصل.

وأوضح المرصد أن هذه السياسة لا تقتصر على القصف المباشر للمباني فحسب، بل تمتد لتشمل وضع عراقيل متعمدة تمنع استئناف العملية التعليمية بأي شكل من الأشكال، حيث تفرض إسرائيل حصاراً مشدداً يمنع إدخال المواد والمعدات والوسائل التشغيلية اللازمة لإعادة تأهيل المدارس والجامعات.

كما تحظر دخول "الكرفانات" والبيوت الجاهزة التي يمكن استخدامها كفصول مؤقتة، مما يبقي مئات آلاف الطلاب في حالة من الضياع الأكاديمي المستمر، ويحول دون تعافي المجتمع الفلسطيني من آثار الحرب النفسية والمعرفية، في مسار يهدف بوضوح إلى تجريد الغزيين من قدرتهم على البقاء والنمو المستقبلي.

يرى المرصد الأورومتوسطي أن الواقع الحالي في قطاع غزة يعكس نمطاً إسرائيلياً مقصوداً لتدمير المنظومة المعرفية الفلسطينية بشكل كامل، من خلال استهداف المثلث التعليمي المكون من الطلاب والمعلمين والأعيان المدنية.

 إن هذا الاستهداف لا يمكن اعتباره تدميراً عرضياً ناتجاً عن العمليات العسكرية، بل هو أداة ضمن سياسة "تدمير مقومات الحياة" الشاملة، حيث يسعى الاحتلال من خلال تغييب التعليم إلى دفع المجتمع نحو التجهيل والفقر المعرفي، مما يسهل عمليات التهجير القسري وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والاجتماعي بالقوة، إن حرمان جيل كامل من حقه في التعليم النظامي يراكم فجوات تربوية لا يمكن سدها بالحلول الجزئية أو المبادرات الشعبية المحدودة التي تقام في خيام تفتقر لأدنى مقومات السلامة والحماية، مما يهدد بنشوء جيل محطم نفسياً ومعرفياً، عاجز عن الاندماج في سوق العمل أو بناء مستقبل وطني مستدام.

حصيلة كارثية بالأرقام.. استهداف العقل البشري والمؤسسة

تشير الإحصائيات الصادمة التي وثقها الأورومتوسطي إلى أن حجم الخسائر في القطاع التعليمي غير مسبوق عالمياً، حيث تم توثيق استشهاد 18,911 طالباً من طلبة المدارس، و1,362 من طلبة الجامعات، فضلاً عن إصابة عشرات الآلاف بجروح متفاوتة، ولم يتوقف القتل عند الطلاب، بل طال الكادر التعليمي والبحثي بشكل مباشر.

 حيث استشهد 794 معلماً و246 من الكوادر الجامعية والباحثين، وهو ما يثبت وجود نية مبيّنة لتجفيف منابع المعرفة في غزة وضرب قدرة المجتمع على إعادة إنتاج الفكر والبحث العلمي، إن غياب هذه الكوادر يعني فقدان عقود من الخبرات المتراكمة التي لا يمكن تعويضها بسهولة، مما يترك أثراً ممتداً على فرص التنمية لعقود مقبلة، ويجعل من استعادة المسار الأكاديمي مهمة في غاية الصعوبة في ظل استمرار سياسة "تصفية العقول" التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي.

وعلى صعيد البنية التحتية، لحقت أضرار مادية بـ 95% من مدارس قطاع غزة، حيث تم تدمير 179 مدرسة حكومية بالكامل، وتخريب 100 مدرسة تابعة للأونروا، بالإضافة إلى تدمير 63 مبنى جامعياً تدميراً كلياً.

وتشير التقديرات الحقوقية إلى أن أكثر من 90% من المباني المدرسية المتبقية تحتاج إلى إعادة بناء شاملة أو ترميم رئيسي لتصبح صالحة للاستخدام.

 هذا الدمار الشامل يبرهن على أن إسرائيل تسعى لجعل غزة مكاناً غير قابل للحياة، حيث يُحرم أكثر من 780 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم المنتظم لثلاثة أعوام دراسية متتالية، وهو ما يمثل انقطاعاً معرفياً خطيراً يقوض فرص الشباب في استكمال تعليمهم العالي، ويخلق حالة من اليأس الاجتماعي التي تنعكس سلباً على الاستقرار النفسي للأطفال واليافعين الذين نشأوا تحت القصف والجوع والحرمان الممنهج.

يؤكد الأورومتوسطي أن الأطفال في غزة هم الفئة الأكثر عرضة للتهميش والاستهداف ضمن جريمة الإبادة الجماعية الجارية، فالمعاناة لا تتوقف عند حدود القتل المباشر، بل تمتد إلى فقدان الأهل والنزوح القسري المتكرر وانعدام الأمن الغذائي والصحي.

 وتعد "الإبادة التعليمية" أداة مركزية في هذا السياق، لأنها تقطع سنوات الطفولة الحساسة عن بيئة التعلم، وتدفع الأطفال قسراً نحو مسارات العمالة المبكرة أو الزواج المبكر، وتقتل فيهم روح الإبداع واللعب.

إن الحرمان من المدارس والمساحات الآمنة يؤدي إلى تدهور عميق في الصحة النفسية، ويراكم صدمات نفسية معقدة نتيجة التعرض المستمر لمشاهد الموت والدمار، مما يستدعي تدخلًا دوليًا لا يقتصر على المساعدات المادية، بل يركز على إعادة بناء الهوية النفسية والتعليمية لهذا الجيل قبل فوات الأوان.

تعتبر الحلول الرقمية أو التعليم عن بُعد في ظل واقع غزة الحالي ضرباً من الخيال وغير كافية بالحد الأدنى، فمع انقطاع الكهرباء وضعف شبكات الإنترنت وغياب الاستقرار الأمني، لا يمكن للتعليم الإلكتروني أن يشكل بديلاً عن التعليم النظامي.

 ويرى المرصد الأورومتوسطي أن الركون إلى هذه المعالجات الجزئية يكرس واقع الانقطاع ويراكم الفجوات التربوية، بل ويساهم في شرعنة حرمان الطلاب من حقهم في بيئة مدرسية حقيقية، إن إنقاذ التعليم في غزة يتطلب خطة طوارئ دولية شاملة وملزمة، تجبر إسرائيل على السماح بدخول مستلزمات إعادة الإعمار والكتب والقرطاسية وأجهزة الحاسوب، وتوفر مرافق تعليمية مؤقتة تستوفي معايير السلامة، مع دمج برامج الدعم النفسي كجزء أساسي وممنهج من المنهاج التعليمي القادم للتعامل مع الصدمات العميقة التي تعرض لها الطلاب.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الأورومتوسطي : إسرائيل تمارس "إبادة تعليمية" ممنهجة لمحو مستقبل أجيال غزة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°