تشير التقارير العسكرية والتقديرات الاستراتيجية العالمية إلى مفارقة مذهلة في موازين القوى الراهنة، حيث تسجل إيران صموداً استثنائياً وتوجه ضربات موجعة لخصومها رغم أن إنفاقها العسكري يظل دون حاجز العشرة مليارات دولار.
في المقابل، يقف الكيان الإسرائيلي بإنفاق عسكري يبلغ 47 مليار دولار، مدعوما بترسانة أمريكا التي يتجاوز إنفاقها العسكري 997 مليار دولار، وذلك في ظل سياسات التدخل التي تواصل تكريسها واشنطن تحت إدارة رئيسها الحالي ترامب.
هذا التفاوت الرقمي الهائل لا يعكس سوى جزء يسير من المشهد، بل يبرز الفجوة العميقة بين إرادة الدفاع عن تراب الوطن وسيادته، وبين آلة عسكرية ضخمة تسعى لفرض نفوذها بالقوة القاهرة.
وبحسب تحليلات المراقبين للشأن الدولي، فإن هذا الفارق الشاسع في الميزانيات يكشف عن الطبيعة الحقيقية للصراع، فهو ليس مجرد مواجهة بين جيوش تقليدية، بل هو صراع بين عقيدة المدافعين عن بوابات أوطانهم الذين تحركهم قيم إنسانية ومبادئ راسخة، وبين قوى معتدية لا يحركها سوى هوس الهيمنة والنهب الممنهج لثروات الشعوب.
إن السياسات التدخلية التي تقودها أمريكا والكيان الإسرائيلي في المنطقة تعكس غياباً تاماً لأي وازع أخلاقي، وتؤكد أن المحرك الأساسي لهذه الآلة العسكرية العملاقة هو الرغبة الجامحة في إخضاع الدول المستقلة وتجريدها من حقها في تقرير مصيرها بعيداً عن الإملاءات والضغوط الخارجية.
ثروات في عين العاصفة وفقا للبيانات الاقتصادية وإحصاءات أسواق الطاقة الدولية، فإن الاستهداف المستمر لإيران لا ينفصل بأي حال عن مطامع السيطرة على مواردها الطبيعية الهائلة، إذ تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تقدر بنحو 208,6 مليار برميل، وهو ما يمثل 15,5% من إجمالي الاحتياطي العالمي.
ولا يقتصر الأمر على الذهب الأسود فحسب، بل يمتد إلى ثروتها الاستراتيجية من الغاز الطبيعي التي تبلغ حوالي 34 تريليون متر مكعب، أي ما يعادل 15,9% من الإجمالي العالمي، مما يجعلها مطمعاً رئيسياً للقوى الساعية لاحتكار مقدرات الكوكب والتحكم في شريان الحياة الصناعية والتجارية.
إن أي محاولة لإسقاط الدولة الإيرانية، لا قدر الله، تعني في جوهرها تسليم هذه الثروات الاستراتيجية الهائلة إلى القوى المعتدية، مما سيتيح لها التحكم المطلق والمنفرد في سوق الطاقة العالمي، وبالتالي إحكام قبضتها على مفاصل الاقتصاد الدولي.
هذا السيناريو يفتح الباب واسعاً أمام أمريكا وحلفائها للتلاعب بأقدار دول المنطقة بأسرها، وتوجيه نظم الحكم فيها بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية البحتة، وهو ما يفسر الشراسة في استهداف كل قوى الرفض والممانعة، ويؤكد أن الشعارات التي ترفعها هذه الدول ما هي إلا ستار يخفي وراءه مطامع توسعية لا تعرف حدوداً.
نداء إلى أحرار العالم في ضوء هذه الحقائق الساطعة، وبحسب ما تؤكده القراءات السياسية المنصفة، فإن الموقف الإيراني يستحق دعماً غير مشروط من كل الأصوات الحرة في العالم، بما في ذلك النخب والشعوب في الغرب، فضلاً عن الدول الساعية لتأسيس نظام دولي عادل ومتعدد الأقطاب يرفض الاستعباد.
إن شد أزر القوى المناهضة للهيمنة يمثل ضرورة ملحة وواجباً أخلاقياً في مواجهة السياسات الإرهابية التي تمارسها الإمبراطورية الأمريكية والكيان الإسرائيلي المجرم، والذي لا يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم لفرض واقع جديد يخدم مشروعه التوسعي على حساب دماء الشعوب المقهورة وحقوقها المشروعة والتاريخية.
ولا يمكن قراءة هذا الصراع الإقليمي والدولي بمعزل عن الدور الأمريكي المباشر والعميق في المنطقة، والذي تجلى بأبشع صوره عبر الغطاء السياسي والعسكري والمالي الممنوح للكيان الإسرائيلي لارتكاب المجازر المروعة وحرب الإبادة المستمرة منذ أكتوبر 2023 في فلسطين.
إن هذه الأحداث الدامية تفضح بشكل قاطع زيف السردية الإسرائيلية وتكشف العوار الأخلاقي للمنظومة الدولية التي تتغاضى عن دماء الأبرياء، مما يحتم على كل القوى الحية التكاتف لتعرية هذه السياسات العدوانية، والوقوف صفاً واحداً ضد مخططات التقسيم والنهب التي تتبناها واشنطن وتل أبيب لتدمير مقدرات الشرق الأوسط.









