أعلنت حكومة موريشيوس اليوم أنها تدرس اتخاذ إجراءات قانونية لإلزام المملكة المتحدة بإعادة جزر تشاغوس، على خلفية التأخير في استكمال تنفيذ الاتفاق المبرم عام 2025، والذي يقضي بنقل السيادة على الإقليم إلى موريشيوس، ويأتي هذا الاتفاق كجزء من تنفيذ قرار دولي يقضي بعودة السيطرة على جزر شاغوس بعد سنوات من النزاع القانوني والدبلوماسي.
وجاء هذا التصعيد القانوني عقب الضربة العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد إيران، والتي انطلقت من قاعدة دييغو غارسيا العسكرية الواقعة داخل الجزر، إذ ترى موريشيوس أن استخدام القاعدة في عمليات عسكرية خارجية يشكل إخلالًا بالتزامات لندن الواردة في الاتفاق الخاص بإعادة السيادة على تشاغوس، والذي ينص على ضرورة إخطار موريشيوس مسبقًا بأي هجوم عسكري ينطلق من القاعدة، في حين تسعى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للاحتفاظ بالقاعدة تحت تأجير طويل الأمد.
منذ عام 1975، تطالب جمهورية موريشيوس على المستوى الدولي بإعادة أرخبيل تشاغوس إلى سيادتها، معتبرة أن الفصل القسري للأرخبيل قبل استقلالها عن المملكة المتحدة عام 1968 يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، بما في ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1514 الخاص بإنهاء الاستعمار. ويعود الاحتلال الأوروبي للأرخبيل إلى القرن الثامن عشر، عندما أعلن الفرنسيون سيادتهم على موريشيوس، وأنشأوا مزارع اعتمدت على القوى العاملة القسرية للعبيد، وأداروا جزر تشاغوس كجزء من مستعمرة أطلقوا عليها اسم «Ile de France».
في عام 1810، احتلت المملكة المتحدة موريشيوس، ثم انتقلت إليها سيادة أرخبيل تشاغوس بموجب تنازل فرنسا وفق معاهدة باريس لعام 1814. وبعد استقلال موريشيوس عن بريطانيا في عام 1968، احتفظت الأخيرة بالسيطرة على الأرخبيل وأعلنت عنه رسميًا كـ«من ضمن ممتلكات التاغ البريطاني للمحيط الهندي» بموجب مرسوم صدر عام 1965. يقع الأرخبيل في موقع استراتيجي في وسط المحيط الهندي، بالقرب من إفريقيا وجنوب آسيا والشرق الأوسط، ما دفع الولايات المتحدة في أواخر الستينيات للتفاوض مع بريطانيا وإتمام صفقة لاستخدامه لأغراض سياسية أهمها احتواء تهديد الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. نتيجة لذلك، تم ترحيل آلاف السكان الأصليين بين عامي 1969 و1973 لإقامة قاعدة عسكرية أمريكية على جزيرة دييغو غارسيا. خلال العقود التالية، استُخدمت القاعدة الأمريكية لدعم حلفائها في موزمبيق وأنغولا وجنوب أفريقيا في السبعينيات والثمانينيات، ولاحقًا لإطلاق غارات جوية في الصومال وأفغانستان والعراق منذ التسعينيات. وفي عام 2016، تم تمديد عقد إيجار القاعدة الأمريكية حتى عام 2036.
على الصعيد القانوني، أصدرت محكمة العدل الدولية في عام 2019 رأيًا استشاريًا طالبت فيه المملكة المتحدة بإعادة أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس، معتبرة أن الانفصال عن أراضيها تم بصورة غير شرعية، وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الرأي بأغلبية واسعة بـ116 صوتًا مؤيدًا مقابل 6 أصوات معارضة و56 امتناعًا عن التصويت، وكانت الدول التي صوتت ضد القرار هي المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وأستراليا، والمجر، وإسرائيل، وجزر المالديف. وفي مايو 2025، وقع البلدان اتفاقية تعترف بسيادة موريشيوس على الأرخبيل، على أن تحتفظ بريطانيا والولايات المتحدة بالقاعدة العسكرية بموجب عقد إيجار طويل الأمد لمدة 99 عامًا، وهو ما أثار اعتراضات لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، التي اعتبرت أن الاتفاق لا يضمن عودة السكان المترحلين ولا يعالج الانتهاكات التاريخية بحقهم، واليوم تري موريشيوس أن استخدام القاعدة في عمليات عسكرية خارجية دون إشعار مسبق، كما حدث في الضربة الأمريكية ضد إيران، يمثل إخلالًا بالتزامات المملكة المتحدة تجاهها، مما يدفعها حاليًا إلى دراسة اتخاذ إجراءات قانونية لإجبار لندن على تنفيذ الاتفاق وإعادة الأرخبيل بالكامل إلى سيادتها وإنهاء الوجود العسكري الأمريكي.
تكمن المفارقة في أن واشنطن رحبت في البداية بالاتفاق الذي أبرم بين لندن وموريشيوس، واعتبرته "إنجازًا كبيرًا" لضمان مستقبل القاعدة العسكرية في دييغو جارسيا. إلا أن ترامب عاد في مطلع عام 2026 ليصف الاتفاق بأنه "خطأ استراتيجي جسيم"، مؤكدًا أن الإيجار، مهما طالت مدته، لا يعادل السيادة، وفقًا لمنظوره الذي يفسر الخريطة العالمية من زاوية الهيمنة لا من زاوية القانون الدولي، الذي أصبح اليوم مجرد حبر على ورق. ويعتبر نقل السيادة إلى دولة مثل موريشيوس، التي يقودها اليوم حزب يساري بمواقف إنسانية وتضامنية مع فلسطين وكوبا وإيران، أمرًا محفوفًا بالمخاطر، خاصة في ظل التنافس الاستراتيجي المحتدم مع الصين، إذ يخشى ترامب أن تستغل بكين أي موطئ قدم استخباراتي أو سياسي في أرخبيل تشاغوس لتعزيز شبكة قواعدها في المحيطين الهندي والهادئ. غير أن أهمية القاعدة من منظور الإدارة الأمريكية الراهنة تكمن في ما توفره من قدرة على إعادة الانتشار السريع، والدعم اللوجستي، والإسناد الجوي والبحري في مسارح العمليات الممتدة من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا.
هذه المسألة حساسة بالنسبة لبريطانيا، إذ إن أي خطوة نحو إنهاء استعمار أرخبيل تشاغوس، في الوقت الذي يظل فيه عقد الإيجار الممنوح للولايات المتحدة ساريًا حتى عام 2036، قد تُعتبر باطلة ولاغية، ما يؤدي إلى توقف تدفق المليارات المرتبطة بالقاعدة. كما أن أي تنازل إضافي في هذا الملف الحساس قد يُفسر داخليًا على أنه خضوع لإملاءات أمريكية. وتزداد حساسية القضية في ظل الصراع السياسي بين الرئيس الأمريكي السابق ترامب ورئيس الوزراء البريطاني الحالي ستارمر، حيث يضغط ترامب على لندن لتقليص أي تنازلات قد تُضعف النفوذ الأمريكي في القاعدة، بينما يسعى ستارمر لإدارة العلاقة مع واشنطن بطريقة تحفظ مصالح بريطانيا وتوازن الالتزامات الدولية والسيادة الوطنية.
لهذا بدأ ترامب بدعم فكرة إنشاء "دولة تشاجوسية" مستقلة انفصالية، مرتبطة بالولايات المتحدة عبر علاقة ارتباط حر على غرار اتفاقيات COFA مع ميكرونيزيا وجزر مارشال وبالاو. وتهدف هذه الخطة إلى تمكين واشنطن من السيطرة شبه الكاملة على أرخبيل تشاغوس، حيث تمنح الدولة الجديدة المساعدات المالية والدفاعية، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بحق سيادتها العسكرية. ومن هذا المنظور، تعتبر هذا النهج نموذجًا حديثًا للاستعمار المموه، إذ تظهر انتقال السيادة شكليًا إلى جهة محلية، في حين تظل القوة الأجنبية مهيمنة على جميع أبعاد السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية، مع توفير غطاء قانوني يعطي للخطة مشروعية دولية.









