شهدت منطقة البقاع شرقي لبنان، وتحديداً بلدة "النبي شيت" والقرى المجاورة لها، ليلةً من أشد الليالي ضراوةً ومواجهة، حيث نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم السبت عملية إنزال جوي معقدة ومباغتة باستخدام القوات الخاصة، في محاولة للوصول إلى أهداف استخباراتية تتعلق بملفات قديمة ومفقودة.
العملية بدأت مع رصد دقيق من قبل عناصر حزب الله وأبناء القرى الحدودية لتحركات غير معتادة في الأجواء، حيث كشف بيان للمقاومة الإسلامية في لبنان عن تسلل أربع مروحيات تابعة لجيش العدو الإسرائيلي قادمة من الاتجاه السوري، لتقوم بإنزال قوة مشاة نخبوية عند مثلث جرود بلدات يحفوفا، الخريبة، ومعربون.
هذه التحركات العسكرية الاستفزازية قوبلت بيقظة عالية، حيث لم تمضِ دقائق قليلة حتى اندلعت اشتباكات مسلحة عنيفة بين القوة المعتدية من جهة، وبين المقاومين وأبناء المنطقة الذين هبوا للدفاع عن قراهم بأسلحتهم الشخصية، مما حول ليل البقاع الهادئ إلى ساحة حرب حقيقية دفاعاً عن السيادة الوطنية.
لقد جسدت المواجهة في "النبي شيت" حالة فريدة من التلاحم الميداني بين المقاومة المنظمة والجمهور الشعبي، حيث أفادت مصادر محلية بأن أبناء البلدة والقرى المجاورة لم يكتفوا بالمراقبة، بل انخرطوا بشكل مباشر في صد القوة الإسرائيلية التي حاولت التغلغل في المناطق الوعرة والجرود.
هذه الاشتباكات الضارية، التي استمرت لعدة ساعات، أسفرت عن وقوع شهداء وإصابات في صفوف المدافعين، لكنها في المقابل نجحت في إرباك حسابات القيادة العسكرية الإسرائيلية وإجبار قوة الكوماندوز على التراجع تحت غطاء ناري كثيف ومساندة مروحية للانسحاب السريع من المنطقة.
إن هذا الفشل الميداني الإسرائيلي يثبت مجدداً أن العمق اللبناني ليس ساحة مستباحة، وأن معادلة الجيش والشعب والمقاومة لا تزال هي الصخرة التي تتحطم عليها مخططات الاحتلال الأمنية والعسكرية، خاصة في تلك المناطق التي تمتلك تاريخاً طويلاً من المواجهة والصمود.
إخفاق الأهداف المعلنة
في خطوة تعكس حجم الإحباط الميداني، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان رسمي صدر ظهر اليوم بفشل العملية في تحقيق أهدافها المرسومة. وزعم الاحتلال أن القوات الخاصة التي تم إنزالها كانت تبحث عن متعلقات أو آثار تتعلق بالطيار الإسرائيلي "رون أراد"، الذي فُقد أثره في لبنان منذ عام 1986 بعد إسقاط طائرته في الجنوب اللبناني.
وأكد البيان الإسرائيلي بوضوح: "لم نعثر على أي متعلقات للطيار في مكان العملية"، وهو اعتراف صريح بضياع الجهد الاستخباري والمخاطرة العسكرية التي تمت ليلة أمس. هذا التبرير الإسرائيلي يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول جدوى هذه العمليات في توقيت يشهد توتراً إقليمياً غير مسبوق، وما إذا كان الاحتلال يحاول استعادة أوراق ضغط قديمة للتعويض عن إخفاقاته الحالية في جبهات أخرى، أو أنه يسعى لاختبار جهوزية المقاومة في مناطق العمق البقاعي البعيدة نسبياً عن جبهة الجنوب المشتعلة.
المحللون العسكريون يرون أن لجوء الاحتلال لتنفيذ عمليات في قلب منطقة البقاع، وبالقرب من الحدود السورية، يعكس تخبطاً في تقدير الموقف، حيث إن البيئة الجغرافية والاجتماعية في هذه المناطق معادية تماماً لأي وجود إسرائيلي وتتمتع بحس أمني عالٍ جداً. إن العودة إلى ملف "رون أراد" بعد مرور عقود من الزمن قد تكون مجرد غطاء لعمليات استخباراتية أخرى تستهدف بنية المقاومة التحتية، لكن اليقظة التي أبداها المقاومون والأهالي في "النبي شيت" قطعت الطريق على أي إنجاز معنوي كان الاحتلال يطمح لتحقيقه. وبدلاً من أن يعود الجنود بـ"متعلقات" أو "إنجاز أمني"، عادوا بجر الهزيمة والانسحاب القسري تحت وطأة نيران المدافعين الذين أثبتوا أن الأرض اللبنانية، من جنوبها إلى بقاعها، هي وحدة واحدة في مواجهة أي خرق للسيادة.
إشادة فلسطينية وازنة
من جانبه، لم يتأخر الموقف الفلسطيني المساند للمقاومة في لبنان، حيث أصدرت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بياناً حازماً أشادت فيه بالبطولات التي سطرها أهالي بلدة النبي شيت والقرى المجاورة.
واعتبرت الحركة أن ما حدث اليوم هو "نموذج مشرق من نماذج الالتحام الوطني"، مشيرة إلى أن تصدي الشعب اللبناني جنباً إلى جنب مع المقاومة الإسلامية هو الرد الطبيعي والوحيد على غطرسة الكيان الصهيوني.
وأكدت الحركة في بيانها أن هذا الفشل الإسرائيلي في البقاع يرسل رسالة واضحة للعدو بأن أي محاولة للعبث بالأمن اللبناني ستواجه بجدار صلب من المقاومة الشعبية والمسلحة، وأن زمن العمليات الإسرائيلية السهلة في العمق العربي قد ولى بلا رجعة بفضل وعي الشعوب وتطور قدرات المقاومة.
وشدد بيان حركة الجهاد الإسلامي على أن الالتفاف الشعبي حول المقاومة في لبنان يتقاطع تماماً مع صمود الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، مؤكداً على وحدة الساحات والمصير في مواجهة عدو مشترك يستهدف استقرار المنطقة برمتها.
إن إشادة الجهاد الإسلامي بتصدي أهالي البقاع تعزز الروابط النضالية بين الحركات المقاومة في المنطقة، وتبرز أهمية الدور الذي يلعبه المواطن العادي في حماية أمن بلده من خلال اليقظة والتبليغ والمشاركة الميدانية عند الضرورة. هذا التقدير الفلسطيني يعكس إيماناً عميقاً بأن انتصار البقاع اليوم هو انتصار لكل قوى المقاومة التي تخوض معركة الوجود والكرامة ضد الاحتلال الإسرائيلي ومشاريع التصفية والتهجير التي يحاول فرضها على المنطقة.
تداعيات التصعيد الميداني
إن عملية الإنزال الفاشلة في بلدة النبي شيت تحمل في طياتها تداعيات أمنية وسياسية قد تغير من قواعد الاشتباك في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
فدخول المروحيات الإسرائيلية من الاتجاه السوري يمثل خرقاً مركباً للسيادة اللبنانية والسورية معاً، وهو ما يستدعي تنسيقاً عالياً لمواجهة هذه الخروقات الجوية.
كما أن سقوط شهداء وجرحى من أبناء المنطقة ومن المقاومة خلال التصدي لهذا العدوان سيؤدي حتماً إلى ردود فعل ميدانية قد لا تقتصر على منطقة البقاع وحدها. فالرسالة التي وصلت للاحتلال فجر اليوم مفادها أن الاستباحة الجوية والأرضية لن تمر دون ثمن باهظ، وأن القوات الخاصة الإسرائيلية التي تُصور على أنها "لا تُقهر" وجدت نفسها محاصرة بنيران أهالي القرى قبل أن تصل إلى أهدافها المزعومة.
تبقى بلدة النبي شيت، ببيوتها الصامدة وتاريخها المقاوم، شاهدة على إخفاق إسرائيلي جديد يضاف إلى سلسلة إخفاقاته الاستخباراتية والميدانية.
إن فشل الاحتلال في العثور على أي أثر للطيار "رون أراد" رغم هذه العملية العسكرية الضخمة، يؤكد أن المعلومات التي يسعى خلفها قد دُفنت مع الزمن أو أنها محمية بإرادة لا تلين.
وبينما تلملم القرى الجريحة جراحها وتودع شهداءها، يظل صوت المقاومة والالتحام الشعبي هو الأعلى في سماء البقاع، مؤكداً أن الأرض التي رُويت بدماء المدافعين عنها ستبقى عصية على الانكسار، وأن أي مغامرة إسرائيلية قادمة ستواجه بذات اليقظة وذات الإصرار الذي أُجبرت بفضله قوات النخبة الإسرائيلية على الانسحاب ذليلة من جرود معربون ويحفوفا.










