20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هدى زوين تكتب: النزاع الأخير… صرخة الجنوب التي تقهر الإنسانية

إن ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع عابر، بل امتحان قاسٍ للإنسانية كلها، حين يُحرم الإنسان من الأمان، ويُجبر على النزوح،

بقلم: هدى زوين
٧ مارس ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
18 مشاهدة
الجنوب

الجنوب

في الجنوب، حيث الأرض التي طالما احتضنت أبناءها بكرامة ودفء، يرتفع اليوم صوتٌ مثقل بالألم، صوت إنسانٍ لم يعد يطلب الكثير من الحياة سوى الأمان، الجنوب الذي عرفته الحكايات أرضًا للصمود والعمل والحياة البسيطة، أصبح اليوم مسرحًا لوجعٍ إنساني كبير، حيث تحوّلت البيوت إلى ذكريات مؤجلة، والطرقات إلى قوافل نزوح لا تنتهي.


الناس هنا لا يهربون من أرضهم لأنهم يريدون الرحيل، بل لأن الخطر يطاردهم في كل زاوية، تركوا بيوتهم التي بنوها بعرق السنين، وأغلقوا أبوابها على أمل العودة يومًا ما، خرجوا وهم يحملون قلقهم وأطفالهم وذكرياتهم، تاركين خلفهم أشجار الزيتون، وحقول التبغ، وكل تفاصيل الحياة التي كانت تمنحهم معنى الاستقرار.


في هذه اللحظات القاسية، يظهر الوجه الأكثر ألمًا للأزمات الإنسانية، فهناك من يفتقد الدواء في وقتٍ يصبح فيه المرض أكثر قسوة، وهناك من يقف عاجزًا أمام تأمين أبسط مقومات العيش، عائلاتٌ كاملة تصارع لقمة العيش، وتبحث عن مأوى مؤقت، وتنتظر نهاية هذا الكابوس الطويل.


إن النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل اقتلاع من الجذور، الإنسان حين يترك أرضه لا يترك حجارةً فقط، بل يترك جزءًا من روحه وتاريخه، فالأرض في الجنوب ليست مجرد جغرافيا، بل هوية وذاكرة وكرامة.


لكن ما يزيد الألم قسوة هو الشعور بأن هناك من يحاول فرض الأمر الواقع بالقوة، وكأن الأرض يمكن أن تُنتزع من أصحابها، وكأن التاريخ يمكن أن يُكتب بالقهر، إن محاولة اغتصاب الأرض بالقوة ليست فقط اعتداءً على الجغرافيا، بل على الإنسان نفسه، وعلى حقه الطبيعي في العيش بسلام فوق تراب وطنه.


وسط كل هذا، يقف الإنسان الجنوبي صامدًا رغم الجراح، قد يترك بيته مؤقتًا، لكنه لا يترك انتماءه، ولا يتخلى عن حلم العودة. فالأرض التي رُويت بالتعب والصبر لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة بسهولة، ولا يمكن أن تتحول إلى مجرد ذكرى.


إن ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع عابر، بل امتحان قاسٍ للإنسانية كلها، حين يُحرم الإنسان من الأمان، ويُجبر على النزوح، ويُترك بلا دواء ولا حياة كريمة، فإن العالم كله مطالب بأن يسأل نفسه: أين تقف الإنسانية أمام هذا الألم؟


ويبقى السؤال الذي يردده كل من اضطر إلى مغادرة بيته:
ما هذه الضريبة الثقيلة التي يدفعها الأبرياء؟
ولماذا يصبح الإنسان البسيط أول من يدفع ثمن الصراعات؟

 


الجنوب اليوم لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن امتيازات، بل يريد فقط أن يعيش بكرامة على أرضه، وأن يعود إلى بيته دون خوف، وأن تتوقف هذه الفصول القاسية التي كتبتها الحروب على وجوه الناس وذاكرة المكان.
فالسلام الحقيقي يبدأ حين يعود الإنسان إلى أرضه آمنًا، وحين تدرك الإنسانية أن الأرض لا تُغتصب بالقوة، بل تُحفظ بالعدل والحق.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

هدى زوين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير