الأرعن هو أَهْوَج في منطقتهُ وقد يتعداها، مُتسرِّع في جهل وحْمَقُ المُسْتَرْخِي؛ لـ "يُكْثِرُ من الهَفَوات"، ولو كان يملُكُ جَيش أرعن عَظِيم جرار أَو مُضْطَرب لكثرته، لا يُحسن التفكير في المواقف العصيب، ينفر منه الآخرون، حتى أقرب الناس إليه فهو أرعنُ من أخيه. وقد قال ابن بري: ومنه قول رؤبة:
يَحُكًّ ذِفْراه لأصحاب الضَّغَنْ تحكُّكَ الأجربِ يَأذىَ بالعَرَن.
وأتذكر قصة ترجمتها للكاتب(O. HENRU) أمريكي ساخر، عن (الشرطي والأرعن) في فُكاهية ساخرة لمُتشرد يحاول أن يرتكب أية جريمة ليدخل السجن فقط ليحتمي به من برد الشتاء.
وكأنها تتكرر بأحداثنا السياسية من رعونة بعض الرؤساء والسياسيين، ممن يتلونُون بعالم الدين والسلام والأمن والأمان، وهُم عن تلك الأمور يتبجحون لكن مواقفهم تفضحهم، فتلك أثيوبيا مثالاً، أبكى السلام العالمي "آبي أحمد" وظنهُ أنهُ محمي من إسرائيل والماسونية العالمية ودول خفية، بارتكاب جرائم حرب لشعبه، وما حربه بإقليم "تيغراي" إلا دليلاً على فشله في يوم أسر تلك القبيلة لأكثر من 8 ألاف جندي من قواته، ليُعلن مكتب رئيس الوزراء، أن قوات الأمن بات لديها تعليمات "بإنهاء الدمار الذي تقوم به منظمة جبهة تحرير شعب تيغراي، الإرهابية والخائنة والمكائد الأجنبية بشكل نهائي"، يا لها من "مسخرة للأقدار"، ليدعو (خائن السلام) آبي أحمد، جميع الإثيوبيين المؤهلين والبالغين للانضمام إلى قوات الدفاع والقوات الخاصة والميليشيات وإظهار وطنيتهم، التي هي بريئة من أمثاله. بل يتفاخر بإرهاب الفراعنة بسد وهمي (سد النهضة)، الذي جاءت حكمة المصريين بالصبر على رعونته.
وبكل وضوح، السياسات الإسرائيلية الأخيرة، خصوصًا في حربها على غزة، كشفت عن رعونة دبلوماسية وعسكرية غير مسبوقة، أدت إلى تآكل الدعم الدولي وفشل في تحقيق أهدافها المعلنة.
إليك أبرز المواقف التي تعكس هذا الفشل، من تصريحات متطرفة ووصف أهالي غزة بأنهم "حيوانات بشرية"، وهو تصريح عنصري فج أثار موجة غضب دولية، ومن استهداف المدنيين والمستشفيات وقوافل المساعدات وتوسيع أهداف الحرب بشكل غير عقلاني، جعل إسرائيل في مواجهة اتهامات بالإبادة الجماعية، وأخيراً محاولة تنفيذ خطة ترامب لتهجير الفلسطينيين أضافت تعقيدًا للأزمة.
لكن المثل الإيراني أكثر رعونة في مواقفة بل وتدخلاتهما بشؤون الجيران والتحكم بمصائر شعوبه وما المثل الإيراني في لبنان إلا واقع مؤلم دمرهُ وفتك بكل مقدراته حتى صار عاجزاً عن أي شيء، بل وسوريا التي تشرد شعبها وهُدمت مقوماتها، ونُهبت حضارتها من نظام إيراني واهن برعونته، ناهيك عن قتل واغتيال حريات وحقوق الإيرانيين بالأحواز وغيرهم من السُنة، وتبجح ساسة طهران بالنووي الخائب، أو إرهاب الجيران الخليجيين، وهم أمن مصري عربي تخشاهم إيران، لكنها رعونة نظام لا أكثر.. ويتكرر المشهد في منع الماء عن العراقيين، وتجنيد مرتزقتهِ في سوريا والعراق وليبيا التي كانت سرت خطاً أحمر لهم، ليتبجح الأرعن بمقابلة زعيم طالبان، هبة الله أخوند زاده.. اللذين استولى بعد خيانة الأمريكان لأفغانستان وشعبها كعادتهم كما فعلوا بالعراق بحجة النووي، فماذا سيفعل؟!!.
بالفعل هناك كيانات تتقن فن الإغواء، لا تسعى للسلام ولا تلتزم بالشرعية، بل تمارس لعبة الإغواء السياسي كما تمارس المرأة اللعوب فن التلاعب بالعشاق. وكأن إسرائيل، ليست دولة تبحث عن الأمن، بل امرأة لعوب تتنقل بين مشاريع الاستيطان والتهجير، تغوي السلطة، وتستدرج المال، وتغازل النفوذ، بل وتواعد واشنطن على مائدة الديمقراطية، وتهمس في أذن أوروبا المرأة العجوز والشمطاء عن "حق الدفاع"، وتبتسم للصين وروسيا حين تحتاج إلى تهدئة، حتى تأتيها الفرصة لتغدر بالجميع في لحظة رعونة.. فقط علاقات متزامنة ومتتالية، كمن تملك عشيقًا غنيًا وآخر صاحب سلطة وثالثًا يبتزها... تعرف أن النهاية لن تكون نظيفة، لكنها تواصل اللعبة، لا بل وتمارس دورًا مزدوجًا: طبيبة نفسية مريضة، تجلس على كرسي الشرعية الدولية، وتوزع وصفات علاجية للمنطقة، التي قد يعلم أغلبهم أنها هي نفسها تعاني من هوس السيطرة، وانفصام أخلاقي، وتاريخ طويل من الإنكار. وكُلُها كيانات نهايتها في تابوت حبارير الموت السياسي، حيث لا تنفع الأقنعة ولا المجاملات.
وكأن المثل المصري "من فات قديمهُ تاه"، أو كما يقول المثل الخليجي "اصبر على مجنونك ليجيلك مجنون أجن منه"!!.. عالماً ببواطن الرعونة فيهم، لتأتيهم حيتانهم من روسيا والصين وأميركا أو من القارة العجوز، بعصا لكنها ليست كعصا فرعون العربي، فهناك الإيمان العربي وقوته التي تضرب وقتما حانت الفرصة.
وأخيراً: ذكرنى الكلام بزوجان مزارعان، سميا ولديهما (تهانينا وممتاز)، وكبر الوالدان وصارا يساعدان والدهما في العمل، وفي يوم ما، ذهب تهانينا إلى الجبل لجمع الحطب، ثُم توفى الأب فجأة، ولم يعرف الأخ الصغير ممتاز كيف يتصرف، فأسرع منادياً أخاه قائلًا : تهانيناااااا تهانيييناااااا … توفيّ أبونا!! ويُكررها، وأهل الفرية لا يعرفون القصة ولا أسميهما، مُستغربون، قائلين: "ما هذا الأرعن! يقول تهانينا بوفاة والده!!".. وبعد قليل جاء رد الأخ الأكبر، قائلاً: "ممتاااااااااز أصحيح ذلك!!!" وكررها، فقال أهل القرية في حمية: "ما هذا الأرعن الآخر! يقول ممتاز لوفاة والده!!". ولما قُبض عليهما نالا عقابهما من التوبيخ والكلام القاسي.. وهكذا تتكرر مأسي تلك البلدان لرعونة أفعالهم وخيبة أملهم. كالمرأة اللعوب في العلاقات السامة التي أفرطت في التلاعب حتى انكشفت، والطبيبة النفسية التي فشلت في علاج نفسها، ففقدت ثقة من حولها، وانتهى بها الأمر في جناح العزل.









