عند الضوء الأحمر في أحد أكثر تقاطعات كركوك ازدحامًا يركض طفل نحيل بين السيارات حاملاً فوانيس صغيرة تضيء بيده ويرفعها نحو النوافذ المغلقة ويقول بابتسامة خجولة .. ( فانوس رمضان يضيء يا عم .. فوانيس جميلة مثلكم ) .
هناك في قلب ضجيج السيارات وأبواقها يعرفه الكثير من السائقين والمارة بأسم (حمودي) .. طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره لكنه اعتاد أن يقف في هذا التقاطع يوميًا منذ ساعات الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل باحثًا عن فرصة رزق تعينه على إعالة عائلته .. فما إن تضيء الإشارة الحمراء حتى يندفع حمودي بخفة بين السيارات المتوقفة يعرض بضاعته الصغيرة على السائقين يبتسم لهذا ويطرق بلطف على زجاج سيارة أخرى محاولًا إقناع أحدهم بالشراء .. لكن و ما إن تتحول الإشارة إلى اللون الأخضر حتى يتراجع سريعًا إلى الرصيف تاركًا الطريق للسيارات وكأنه يعرف قواعد السير أكثر من كثيرين .
في هذه الأيام وبالتزامن مع شهر رمضان المبارك بدأ حمودي مختلفًا قليلًا عن بقية الأطفال الذين يعملون في التقاطعات فبينما يبيع بعضهم المناديل الورقية أو يمسحون زجاج السيارات حمل هو بضاعة جديدة لافتة للانتباه تمثلت بفوانيس رمضان المضيئة.
كانت الفوانيس الصغيرة تتلألأ بأضوائها الملونة كلما شغّلها بيده فتلفت أنظار الأطفال داخل السيارات وتبعث في المكان شيئًا من أجواء الشهر المبارك ..
اقتربت منه والتقطت له صورة على حين غرة وكنت على يقين أنه لن ينزعج فحمودي كما يقول من يعرفه يتعامل مع الجميع وكأنهم أصدقاء قدامى .. سألته وانا كنت قد التقيته سابقا" اكثر من مرة :
حمودي ما الذي دفعك لتغيير بضاعتك لتبيع الان فوانيس رمضان؟
ـ يا عم أنا مثل أي إنسان أبحث عن رزق أعود به إلى عائلتي ونحن في شهر رمضان المبارك ولذلك يجب أن أكون فطنًا في اختيار شيء يجذب انتباه الناس حتى يشتروا مني وانا كطفل كنت سأفرح كثيرا" لو اشترى لي ابي فانوسا" .
ثم سألته :
هل تقبل أن أجري معك حوارًا صحفيًا وأنشر صورتك؟
ـ نعم وبكل سرور أحب أن أصبح مشهورًا .. ( تنهد قليلًا عندما طلبت منه أن يحدثني عن نفسه ثم قال )
ـ أنا طفل عمري عشرة سنوات .. فتحت عيني على الدنيا وسط عائلة فقيرة أبي معاق وملازم للفراش بسبب المرض وأمي لا حول لها ولا قوة
وتابع حديثه وهو يشير بيده نحو السيارات المتوقفة ..
ـ نحن سبعة إخوة وأخوات أكبرنا أختي لكنها ورثت المرض من أبي والبقية أصغر مني لذلك وجدت نفسي أمام مسؤولية كبيرة علي أن أوفر شيئًا يسد رمق العائلة وأحيانًا أشتري دواءً لأبي عندما نستطيع ..
صمت قليلًا قبل أن يضيف :
ـ لهذا أعمل في كل شيء وأقضي وقتي في هذا التقاطع أكثر مما أقضيه في بيتنا .
وعندما سألته عن البيت أجاب :
ـ ببساطة .. هو بيت بسيط ومتهالك وقد منحه لنا أحد فاعلي الخير لنعيش فيه مؤقتا" .
و هل ستظل تبيع فوانيس رمضان طوال الشهر وبعده ؟
ـ لا بعد أيام سأغير البضاعة ..
سألته بإستغراب لماذا؟
ـ الناس يحبون الجديد دائمًا الآن نحن في بداية رمضان والفوانيس جميلة وتشعرهم بفرحة الشهر لكن بعد أيام سيبحثون عن شيء مختلف .
سألته أخيرًا عن أرباحه من هذا العمل
هل تحقق أرباحًا جيدة من هذا العمل؟
ـ أحيانًا أحصل على ما يكفيني أنا وعائلتي لشراء طعام بسيط و لكن في أغلب الأحيان لا يكفي ومع ذلك ليس لدي خيار سوى الاستمرار .
قصة حمودي ليست استثنائية في شوارع مدينة كركوك فالكثير من الأطفال وجدوا أنفسهم في عمر مبكر أمام مسؤوليات تفوق أعمارهم مدفوعين بظروف الفقر وصعوبة الحياة التي تعيشها بعض العائلات
ومع اقتراب الإشارة من اللون الأحمر مرة أخرى أمسك حمودي بفوانيسه الصغيرة واستعد للركض نحو السيارات ثم التفت إلي مبتسمًا وقال :
ـ رمضان كريم والحمد لله على كل حال .
لحظات و عاد يركض بين السيارات يرفع فوانيسه المضيئة نحو النوافذ بينما تتلألأ أضواؤها الصغيرة وسط ضجيج الشارع ..
ربما لا يعرف الكثير من السائقين حكايته لكنهم يرون ذلك الضوء الصغير الذي يحمله بيده ضوء يشبه الأمل الذي يتمسك به طفل لم يتجاوز الحادية عشرة .. فبين الإشارة الحمراء والخضراء وبين ضجيج المدينة وصخبها يواصل حمودي رحلته اليومية بحثًا عن رزق بسيط حاملاً في يده فانوسًا صغيرًا وفي قلبه أملًا كبيرًا بأن يكون الغد أفضل .








