ليست كل الأخبار التي تمر أمامنا تستحق أن نتوقف عندها فبعضها ينتهي أثره بانتهاء نشرات الأخبار وبعضها الآخر يغير طريقة تفكير الدول لعقود وربما لقرن كامل.
وسأقولها بكل صراحة وثقة: لا أحد يتوقف عند خبر يتعلق بالموازنة العامة الروتينية بحد ذاتها والمكررة بتغييرات طفيفة كما في كل عام. فالأرقام تبدو جافة والمصطلحات المالية لا تستفز مشاعر الناس بينما تكون بعض الأخبار مهمة ومشوقة وتخفي بين سطورها تحولات أكبر من عناوينها.. وهذا أحدها:
بعد أكثر من مئة وخمس سنوات على قيام الدولة العراقية يقرر العراق أن يغادر موازنة البنود، تلك التي رافقت جميع الحكومات منذ تأسيس الدولة، لينتقل إلى موازنة البرامج والأداء.
وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد تعديل في أسلوب إعداد الموازنة لكنه في الحقيقة يشبه انتقال سائق من النظر إلى عداد الوقود إلى النظر نحو افق الطريق.
سنوات طويلة كانت الحكومات فيها تعرف بدقة كم أنفقت لكنها لم تكن تعرف بالدقة نفسها ماذا حققت؟ كانت الموازنات تكبر بينما كانت أسئلة الناس تكثر معها ترى أين ذهبت الأموال؟ ولماذا بقيت المدرسة المهدمة تنتظر بصيص الامل بالاعمار ؟ولماذا ظل مبنى المستشفى يفتقد لأبسط احتياجاته؟ ولماذا بقيت المشاريع تنمو على الورق أكثر من كونها تنمو على الأرض؟
ليست المشكلة أن العراق كان يفتقر إلى المال، بل انها تكمن في الافتقار إلى البوصلة. ولهذا فإن الانتقال إلى موازنة البرامج يحمل معنى يتجاوز لغة المحاسبين. إنه إعلان بأن قيمة الدينار لن تقاس بعد اليوم بمجرد خروجه من خزينة الدولة، بل بالأثر الذي يتركه في حياة المواطن. فالإنفاق ليس إنجازا، والاعتمادات المالية ليست دليلا على النجاح، وما لم تتحول الأرقام إلى خدمات فإنها تبقى حبرا على الورق مهما كانت أو بلغت.
لكن الطريق لن يكون سهلا فالنصوص يمكن أن تتغير في ليلة واحدة، أما العقليات التي تشكلت عبر عقود فلا تتغير بالسرعة نفسها. والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تؤمن المؤسسة بأن المواطن ليس رقما في نهاية التقرير بل هو الغاية التي كتبت الموازنة من أجلها.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل وحده: ترى هل سينجح العراق في تحويل هذا التحول من فكرة على الورق إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية؟ أم ستبقى موازنة البرامج عنوانا جديدا يضاف إلى أرشيف الإصلاحات التي لم تكتمل؟ سيما وأن المستقبل لا تصنعه النوايا ولا الوعود بقدر ما تصنعه النتائج.







