أثارت مقاطع مصورة نشرها البيت الأبيض على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً في الولايات المتحدة وخارجها، بعد أن مزجت بين مشاهد حقيقية من العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ومقاطع مأخوذة من أفلام سينمائية وألعاب إلكترونية. وقد ظهر في هذه المقاطع استخدام عبارات ورسائل دعائية ترافق صور الضربات العسكرية، في أسلوب اعتبره منتقدون محاولة لتحويل الحرب إلى مشهد ترفيهي يشبه الألعاب الإلكترونية.
وتأتي هذه المقاطع في سياق العدوان المتصاعد على إيران ضمن حرب غاشمة أعلنتها الإدارة الأمريكية تحت اسم "الغضب الملحمي"، وهي حرب تزعم أمريكا وإسرائيل أنها تستهدف القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية. وبينما تؤكد الإدارة الأمريكية أن الهدف من هذه المقاطع هو إبراز نجاح العمليات العسكرية، يرى منتقدون أن هذا الأسلوب يثير تساؤلات أخلاقية وسياسية حول كيفية تقديم الحرب للرأي العام.
مقاطع حرب ممزوجة بالترفيه
نشر الحساب الرسمي للبيت الأبيض مقطعاً مصوراً يجمع بين لقطات حقيقية من الضربات العسكرية على إيران ومشاهد مقتبسة من أفلام وأعمال ترفيهية. وقد حمل المقطع عبارة "العدالة بالطريقة الأمريكية"، مرفقة بعلم الولايات المتحدة ورمز النار، في إشارة إلى العمليات العسكرية الجارية.
JUSTICE THE AMERICAN WAY. 🇺🇸🔥 pic.twitter.com/0502N6a3rL
— The White House (@WhiteHouse) March 6, 2026
وتضمن المقطع لقطات من أفلام سينمائية معروفة، إلى جانب مشاهد من الرسوم المتحركة اليابانية وأعمال سينمائية حربية، قبل أن ينتقل إلى صور الضربات العسكرية على أهداف داخل إيران. وفي نهاية المقطع يظهر تعليق صوتي يقول "انتصار بلا أخطاء"، ووهو صوت من لعبة الفيديو "مورتال كومبات"، وهي لعبة قتالية إلكترونية شهيرة.
وقد أثار هذا المزج بين مشاهد الحرب الحقيقية والمواد الترفيهية موجة انتقادات، حيث اعتبر بعض المراقبين أن هذا الأسلوب يقلل من خطورة الحرب ويحولها إلى صورة قريبة من عالم الألعاب الإلكترونية.
فيديوهات تحاكي الألعاب
في مقطع آخر نشره البيت الأبيض، ظهرت لقطة من لعبة إلكترونية شهيرة تتضمن عبارة تشير إلى بدء جولة جديدة من الأحداث. وبعد هذه اللقطة مباشرة، انتقل الفيديو إلى مشهد حقيقي لضربة عسكرية أمريكية استهدفت ما يبدو أنه شاحنة.
OPERATION EPIC FURY
— The White House (@WhiteHouse) March 6, 2026
• Destroy Iran’s missile arsenal.
• Destroy their navy.
• Ensure they NEVER get a nuclear weapon.
Locked in. pic.twitter.com/ika3MMJmZT
وعقب تنفيذ الضربة ظهرت كلمة "تم القضاء عليه" على الشاشة، وهي عبارة تستخدم عادة في الألعاب الإلكترونية للإشارة إلى هزيمة أحد اللاعبين. وقد اعتبر منتقدون أن استخدام هذه المصطلحات يعكس محاولة لتقديم العمليات العسكرية بصورة تشبه أسلوب الألعاب الرقمية.
كما عرض الفيديو أسباب العملية العسكرية، مشيراً إلى ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية وتدمير قدراتها البحرية ومنعها من امتلاك سلاح نووي. واختتم الفيديو بعبارة تؤكد أن العملية العسكرية تسير وفق الخطة المرسومة.
انتقادات سياسية
قوبلت هذه المقاطع بانتقادات من شخصيات سياسية أمريكية، من بينها السيناتورة الديمقراطية تامي داكويرث، وهي محاربة سابقة في حرب العراق أصيبت خلال المعارك. فقد اعتبرت أن تصوير الحرب بهذه الطريقة يمثل استهانة بحياة الجنود والمخاطر التي يواجهونها.
وقالت داكويرث إن الحرب ليست لعبة إلكترونية، مشيرة إلى أن عدداً من الجنود الأمريكيين قتلوا بالفعل خلال العمليات المرتبطة بالحرب مع إيران. وأضافت أن آلاف الجنود الآخرين يواجهون مخاطر كبيرة بسبب ما وصفته بحرب غير مبررة.
وترى شخصيات سياسية أخرى أن استخدام هذا النوع من المقاطع قد يسيء إلى صورة الولايات المتحدة، لأنه يخلق انطباعاً بأن الإدارة تتعامل مع الحرب بوصفها عرضاً إعلامياً أكثر من كونها أزمة إنسانية وعسكرية معقدة.
رد البيت الأبيض
في المقابل، دافع البيت الأبيض عن نشر هذه المقاطع، مؤكداً أن الهدف منها هو إظهار نجاح القوات الأمريكية في تنفيذ أهداف العملية العسكرية. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن القوات الأمريكية تحقق إنجازات كبيرة في إطار العملية العسكرية الجارية.
وأضافت أن الإدارة الأمريكية لن تعتذر عن إبراز ما وصفته بالنجاحات العسكرية، مشيرة إلى أن هذه المقاطع تظهر تدمير الصواريخ الإيرانية والمنشآت المرتبطة بها. وأكدت أن الإدارة ستواصل نشر مواد إعلامية توثق العمليات العسكرية.
وترى الإدارة أن هذه المقاطع تمثل جزءاً من استراتيجية إعلامية تهدف إلى إظهار قدرة الجيش الأمريكي على تحقيق أهدافه في الحرب.
توقيت حساس
جاء نشر هذه المقاطع قبل يوم واحد فقط من مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مراسم نقل جثامين جنود أمريكيين قتلوا في الكويت خلال الحرب مع إيران. وقد أثار هذا التوقيت انتقادات إضافية، إذ رأى البعض أن نشر مقاطع احتفالية بالحرب لا يتناسب مع أجواء الحداد على الجنود القتلى.
وفي مقطع مصور نشره ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، أشار إلى احتمال سقوط المزيد من الضحايا الأمريكيين قبل نهاية الحرب. وقال إن هذا الأمر مؤسف لكنه قد يحدث في أي حرب، مؤكداً أن الولايات المتحدة سترد بقوة على من وصفهم بالإرهابيين الذين يشنون حرباً ضد الحضارة.
وأضاف أن بلاده ستسعى إلى توجيه ضربة قاسية لمن يقفون وراء الهجمات ضد القوات الأمريكية.
استراتيجية إعلامية رقمية
تشير هذه المقاطع إلى اعتماد الإدارة الأمريكية على أسلوب جديد في تقديم سياساتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبح البيت الأبيض ووزارة الحرب يستخدمان ما يعرف بمقاطع الإثارة السريعة التي تهدف إلى جذب انتباه الجمهور على المنصات الرقمية.
ويعتمد هذا الأسلوب على مزج الصور الحقيقية بالمؤثرات البصرية والموسيقى السريعة والعبارات القصيرة، في محاولة للوصول إلى جمهور الشباب الذين يقضون وقتاً طويلاً على هذه المنصات.
ويرى محللون أن هذه الاستراتيجية تعكس تحولاً في الطريقة التي تُدار بها الحملات الإعلامية الحكومية، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة أساسية للتأثير في الرأي العام.
سابقة إعلامية
ليست هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها مؤسسات حكومية أمريكية هذا الأسلوب في عرض العمليات الأمنية أو العسكرية. فقد سبق لوزارة الأمن الداخلي أن نشرت مقاطع مصورة لعمليات اعتقال مهاجرين غير نظاميين مصحوبة بموسيقى وأغانٍ مأخوذة من برامج الرسوم المتحركة.
وفي إحدى تلك الحالات استخدمت الوزارة موسيقى من مسلسل كرتوني شهير مع عبارة تشير إلى مطاردة المهاجرين، وهو ما أثار انتقادات واسعة آنذاك.
ويرى بعض المراقبين أن هذه الممارسات تعكس توجهاً متزايداً نحو تحويل القضايا الأمنية والعسكرية إلى محتوى إعلامي سريع الانتشار على الإنترنت.
حرب وصورة إعلامية
يقول خبراء الإعلام إن الطريقة التي تُعرض بها الحروب يمكن أن تؤثر في إدراك الجمهور لطبيعتها وخطورتها. فحين تُقدم العمليات العسكرية في قالب يشبه الألعاب الإلكترونية، قد يتراجع الشعور بواقع الخسائر البشرية والدمار الذي تسببه الحروب.
ويرى هؤلاء أن استخدام عناصر ترفيهية في عرض العمليات العسكرية قد يخلق فجوة بين الواقع الميداني للحرب والصورة التي تصل إلى الجمهور عبر وسائل الإعلام.
وفي ظل استمرار الحرب مع إيران، يتوقع أن يستمر الجدل حول الطريقة التي تقدم بها الإدارة الأمريكية هذه الحرب للرأي العام، وما إذا كانت هذه الاستراتيجية الإعلامية ستنجح في تعزيز الدعم الشعبي أم ستؤدي إلى مزيد من الانتقادات.










