كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، في بيان رسمي صدر اليوم الأربعاء، عن أرقام مفزعة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بالدولة اللبنانية نتيجة التصعيد العسكري الأخير، حيث بلغ عدد النازحين داخل الأراضي اللبنانية 667 ألف شخص اضطروا لترك منازلهم وقراهم قسراً.
وأشارت المفوضية إلى ظاهرة لافتة في حركة النزوح الحالية، وهي أن الغالبية العظمى من اللبنانيين فضلوا البقاء داخل حدود وطنهم والبحث عن ملاذات آمنة في المناطق الأقل توتراً، حيث لم يتجاوز عدد الذين عبروا الحدود باتجاه الأراضي السورية 7800 نازح فقط.
هذا التمركز القوي للنزوح في الداخل يضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية اللبنانية المتهالكة أساساً، ويؤكد أن الشعب اللبناني يحاول التشبث بأرضه رغم ضراوة القصف الجوي والتهديدات البرية التي يطلقها جيش الاحتلال، مما يتطلب استجابة دولية فورية تتناسب مع حجم هذه الكتلة البشرية الضخمة التي باتت تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة في مراكز الإيواء المزدحمة.
توسع رقعة الصراع الإقليمي وأثره على النزوح الجماعي في المنطقة
لم تقتصر تقارير مفوضية اللاجئين على الداخل اللبناني فحسب، بل رسمت صورة أشمل للوضع المأساوي في منطقة الشرق الأوسط، موضحة أن النزوح الداخلي في لبنان يمثل جزءاً كبيراً، ولكنه ليس الوحيد، ضمن حركة نزوح أوسع شملت دولاً أخرى متأثرة بالصراعات الراهنة.
فقد أوضحت المفوضية أن إجمالي عدد النازحين داخل بلادهم بسبب ما وصفته بالحروب الإسرائيلية والأمريكية الممتدة في لبنان والعراق وسوريا وإيران وأفغانستان قد وصل إلى رقم قياسي بلغ 884 ألف و700 شخص.
هذه الإحصائية تعكس بوضوح أن الإقليم بأكمله يمر بمرحلة من عدم الاستقرار الجيوسياسي الذي يدفع ثمنه المدنيون العزل، حيث أصبحت مساحات شاسعة من هذه الدول غير صالحة للسكن نتيجة تدمير البنى التحتية والمرافق العامة. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة الإنسانية في لبنان ليست معزولة، بل هي حلقة في سلسلة من الانفجارات الديموغرافية التي تهدد بتغيير التركيبة السكانية والاجتماعية في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.
استجابة الدولة اللبنانية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى ملاذات آمنة
أمام هذا التدفق البشري الهائل، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، حنين السيد، عن التزام الحكومة الكامل بحماية المواطنين وتسخير كافة القدرات الوطنية المتاحة لضمان استجابة سريعة ومنظمة للأزمة.
وفي إطار تنفيذ خطة الطوارئ الحكومية، كشفت الوزيرة عن فتح أكثر من 567 مركز إيواء موزعة على مختلف المناطق اللبنانية، شملت المدارس والجامعات الرسمية التي تحولت بين ليلة وضحاها من صروح للعلم إلى مخيمات للنازحين.
وتدار هذه المراكز تحت إشراف مباشر من وزارة الشؤون الاجتماعية، وبالتنسيق الوثيق مع وزارة التربية وسائر الشركاء المحليين والدوليين، في محاولة لتنظيم عمليات توزيع المساعدات وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الصحية والغذائية. ورغم هذه الجهود، إلا أن حجم الاحتياج يفوق بكثير قدرات الدولة اللبنانية التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، مما يجعل بقاء هذه المراكز مفتوحة ومستمرة في تقديم خدماتها رهناً بتدفق الدعم الإغاثي الخارجي الذي لا يزال دون المستوى المطلوب حتى الآن.
الضاحية والجنوب تحت النار: الاستراتيجية العسكرية وتداعياتها المدنية
تأتي موجات النزوح هذه كنتيجة مباشرة لإعلان الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي عن إطلاق ما أسماها "المعركة الهجومية" لمواجهة حزب الله، وهي المعركة التي اتسمت منذ ساعاتها الأولى بعنف مفرط وقصف عشوائي طال الأحياء السكنية.
ونفذ الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات جوية مدمرة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تعد من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان، بالإضافة إلى بلدات وقرى كاملة في جنوب لبنان والبقاع.
ولم يكتفِ الاحتلال بالتدمير المادي، بل لجأ إلى الحرب النفسية عبر دعوة السكان للاستعداد لـ "أيام عديدة من القتال"، مما أثار حالة من الذعر الجماعي ودفع مئات الآلاف للخروج بملابسهم فقط هرباً من الموت المحقق. إن هذه الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، التي تهدف إلى خلق ضغط شعبي عبر تشريد المدنيين، قد أدت إلى إفراغ مدن وقرى كاملة من سكانها، مما حول مناطق واسعة في الجنوب إلى "أرض محروقة" يغيب عنها أي مظهر من مظاهر الحياة المدنية الطبيعية.
تحديات الإدارة والتمويل في ظل استمرار العمليات العسكرية
تواجه الحكومة اللبنانية والمنظمات الدولية تحدياً كبيراً في إدارة ملف النازحين مع استمرار العمليات العسكرية وتوسعها، حيث إن تحويل المدارس والجامعات إلى مراكز إيواء يعني توقف العملية التعليمية لآلاف الطلاب، مما يضيف بعداً كارثياً جديداً للأزمة يتمثل في ضياع العام الدراسي.
كما أن التنسيق بين وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية، رغم أهميته، يصطدم بنقص حاد في التمويل اللازم لتأمين الفرش والأغطية ووسائل التدفئة والمستلزمات الطبية الأساسية، خاصة مع دخول فصل الشتاء وازدياد احتمالية انتشار الأمراض المعدية داخل المراكز المزدحمة.
وتؤكد التقارير الميدانية أن بعض مراكز الإيواء تجاوزت قدرتها الاستيعابية بنسبة 200%، مما يضطر النازحين لافترش الممرات والساحات العامة، في ظل غياب أفق واضح لنهاية الحرب أو إمكانية العودة القريبة إلى المنازل التي دمر القصف جزءاً كبيراً منها، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لوقف العدوان وتأمين ممرات إنسانية آمنة.










