أكد الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر، في الحلقة الرابعة من سلسلة "اقتصاديات الحرب"، أن أسواق الطاقة العالمية تعيش حالياً حالة من القلق البالغ وغير المسبوق نتيجة اندلاع الحرب على إيران، وما تلاها من إعلان دراماتيكي بوقف تصدير النفط عبر مضيق هرمز.
ويُعد هذا المضيق الشريان الحيوي الأهم في منظومة التجارة العالمية، حيث لا يمثل مجرد ممر مائي عادي، بل هو قناة استراتيجية تمر عبرها كميات ضخمة من الطاقة تعادل نحو ربع احتياجات العالم اليومية من النفط الخام، بالإضافة إلى ما يقارب خُمس احتياجات الكوكب من الغاز الطبيعي المسال.
إن هذا التعطل المفاجئ في حركة الملاحة لم يؤثر فقط على الدول المصدرة، بل امتد أثره كالصدمة الكهربائية ليشمل كافة الأسواق الدولية، مما أثار مخاوف واسعة النطاق حول استقرار الإمدادات وقدرة الدول الصناعية الكبرى على تأمين احتياجاتها الطاقوية في ظل هذا التصعيد العسكري الخطير الذي يهدد بحالة من الشلل في سلاسل التوريد العالمية.
قرار تاريخي لوكالة الطاقة الدولية: ضخ 400 مليون برميل لمواجهة "خنق" الإمدادات
في محاولة طارئة وجريئة لاحتواء تداعيات هذه الأزمة المتفاقمة وتهدئة الأسعار التي شهدت قفزات جنونية، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة عن قرار غير مسبوق في تاريخها، يقضي بالإفراج عن 400 مليون برميل من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية.
ويرى الباحث أحمد أبو قمر أن هذه العملية هي الأكبر من نوعها منذ تأسيس الوكالة في عام 1974، حيث تهدف بشكل مباشر إلى تعويض النقص الحاد الناتج عما يمكن وصفه بـ"الإغلاق الفعلي" لمضيق هرمز، ويأتي هذا التحرك كإشارة طمأنة للأسواق العالمية لمنع حدوث انهيارات اقتصادية نتيجة الارتفاعات الحادة في تكاليف الإنتاج والشحن.
ورغم ضخامة هذا الرقم، إلا أن المحللين يشيرون إلى أنها تظل "حقنة مسكنة" مؤقتة تهدف إلى شراء الوقت، ريثما تتضح المعالم السياسية والعسكرية للأزمة، حيث تدرك الوكالة أن الاستنزاف المستمر للمخزونات دون وجود بدائل مستدامة عبر المضيق قد يضع الأمن القومي الطاقوي للدول الأعضاء على المحك خلال الأشهر القادمة.
من عام 1991 إلى 2026: المحطات التاريخية لتدخلات وكالة الطاقة الدولية
يوضح الباحث أحمد أبو قمر أن قرار الوكالة الدولية للطاقة الأخير لعام 2026 هو الخامس من نوعه في تاريخها الطويل، حيث لم تلجأ الوكالة إلى هذا الإجراء إلا في محطات دولية حساسة ومفصلية هددت الاستقرار العالمي.
وتستعيد الذاكرة الاقتصادية تدخلات مماثلة بدأت إبان حرب الخليج عام 1991، ثم خلال الأزمات الطبيعية التي خلفها إعصارا كاترينا وريتا في عام 2005، وتبعها التدخل المرتبط بالثورة الليبية عام 2011، وصولاً إلى الأزمة الناتجة عن الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.
إن تكرار هذا الإجراء في عام 2026 بسبب الحرب على إيران يؤكد أن العالم يواجه أزمة من العيار الثقيل تتجاوز في خطورتها أزمات العقود الماضية، نظراً للأهمية الجيوسياسية المزدوجة لمضيق هرمز كمنفذ وحيد لمنتجي النفط الكبار في الخليج العربي، مما يجعل من تعطل الملاحة فيه حدثاً ذا أبعاد كارثية على النمو الاقتصادي العالمي ومعدلات التضخم الدولية.
مخزونات الطوارئ وهامش الأمان: هل ينجح 1.2 مليار برميل في امتصاص الصدمة؟
وفقاً للتقارير الفنية الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة والتي استعرضها الباحث أحمد أبو قمر، فإن الوكالة لا تزال تمتلك هوامش أمان مؤقتة تتمثل في نحو 1.2 مليار برميل من المخزونات الطارئة، يضاف إليها ما يقارب 600 مليون برميل أخرى تحتفظ بها الشركات الكبرى كاحتياطيات تجارية.
هذا المخزون الضخم يمنح الاقتصاد العالمي فترة سماح لمواجهة الأزمات الطارئة، إلا أن العامل الحاسم لاستعادة الاستقرار الحقيقي والدائم في أسواق الطاقة العالمية يظل مرتبطاً بشكل عضوي باستئناف حركة العبور الطبيعية عبر مضيق هرمز.
ويشدد أبو قمر على أن ضخ المخزونات الاستراتيجية مهما بلغت ضخامته لا يمكن أن يحل محل التدفق الطبيعي للنفط والغاز، حيث إن استمرار الإغلاق الفعلي للمضيق سيعني حتماً استنفاد هذه الاحتياطيات في غضون شهور قليلة، مما يضع العالم أمام خيارات صعبة تتراوح بين الركود الاقتصادي الشامل أو التدخل العسكري المباشر لتأمين ممرات التجارة الدولية.
الاستنتاجات الاقتصادية لمستقبل الطاقة في ظل الحرب على إيران 2026
في ختام تحليله، يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الأزمة الحالية وضعت مفهوم "أمن الطاقة" تحت اختبار قاسم، حيث أثبتت الحرب على إيران أن العالم لا يزال رهينة لممرات مائية ضيقة يمكن أن تعطل الاقتصاد العالمي بقرار واحد وإن الخطوات التي اتخذتها وكالة الطاقة الدولية، وإن كانت ضرورية لتهدئة روع الأسواق ومنع القفزات السعرية المفاجئة، إلا أنها تظل إجراءات وقائية لا تعالج أصل المشكلة، ويبقى الرهان الحقيقي في عام 2026 على مدى قدرة القوى الدولية على الوصول إلى تفاهمات تعيد تدفقات الطاقة لمستوياتها المعتادة، فبدون عودة الناقلات للمرور عبر هرمز، سيبقى الاقتصاد العالمي في مهب الريح، وسوف تظل أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية مرتبطة بمدى تصاعد أو هدوء نيران الحرب في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يستدعي رؤية استراتيجية جديدة تتجاوز الاعتماد على احتياطيات الطوارئ نحو تنويع ممرات الطاقة العالمية بشكل أكثر أماناً.







