شهد العقد الأخير تحولاً راديكالياً في العقيدة العسكرية الإماراتية، حيث انتقلت أبوظبي من مربع "دبلوماسية المساعدات" التي ميزت عهد التأسيس، إلى بناء "إمبراطورية القواعد والموانئ" العابرة للحدود والقارات، وفي عام 2026، بات من الواضح أن هذا التوسع لم يكن مجرد طموح اقتصادي، بل هو جزء من رؤية جيوسياسية تهدف إلى فرض حضور سياسي وعسكري في بؤر الصراع الأكثر حساسية.
ففي حديث خاص لـ "180 تحقيقات"، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور مأمون أبو عامر أن الإمارات تتبنى رؤية تختلف جذرياً عن باقي الدول العربية، حيث لا يجد المسؤولون هناك غضاضة في التعاون المفتوح مع الجانب الإسرائيلي في ملفات حساسة مقابل تعزيز حضورهم الجيوسياسي وجلب الثروة، هذه "الأنانية السياسية" بحسب وصفه، أدت إلى حالة من الهيمنة في إدارة الملفات التي تزعج الأطراف الإقليمية، حيث تتقاطع الإمارات مع من يقدم لها الخدمات –بمن في ذلك إسرائيل– دون مراعاة للحدود القيمية أو المخاطر التي قد تلحق بالأمن القومي العربي العام.

الدكتور مأمون أبو عامر
وتوقف الدكتور أبو عامر طويلاً عند "الفجاجة" في الموقف الإماراتي تجاه الأزمات المشتعلة، لا سيما في السودان واليمن، ففي الملف السوداني، تشن أبوظبي هجوماً حاداً على البرهان والجيش السوداني بذريعة "الإخوان المسلمين"، في حين تدعم بكل ثقلها قوات "حميدتي" رغم إدراكها لضعف وزنه السياسي وتاريخه الملطخ بالجرائم التي يشهدها العالم.
هذا الدعم، كما يحلل أبو عامر، يهدف إلى الهيمنة على السودان حتى لو أدى ذلك إلى تقسيمه، حيث تتقاطع مصالح الإمارات مع حميدتي بشكل براغماتي بحت، أما في اليمن الجنوبي وأرض الصومال، فقد ثبت وجود علاقات تقاطع مع الجانب الإسرائيلي، وتستغل الإمارات هذا التحالف الاستراتيجي لإسكات المواقف الدولية والأمريكية تجاه طموحاتها التوسعية، وهو ما تجلى في دورها كلاعب أساسي في ساحة "أرض الصومال" التي كشفت التقارير الدولية عن وجود بصمات إسرائيلية-إماراتية مشتركة فيها لرفض الموقف الصومالي المركزي.
وأشار إلى أن الاختبار الحقيقي للسياسة الإماراتية ظهر جلياً في الموقف من القضية الفلسطينية؛ فبينما كان المتوقع اتخاذ مواقف حازمة تجاه إسرائيل في ظل الحرب الراهنة، تمسكت الإمارات بعلاقاتها ورفضت قطعها، وهو ما صرح به مسؤولون إماراتيون علانية بأنهم "لن يعطلوا علاقاتهم مع إسرائيل بسبب الملف الفلسطيني"، هذا الإصرار على استمرارية المسار مع تل أبيب يصب في خانة الفلسفة الإماراتية التي لا تريد لأي ضابط قيمي أن يعطل مصالحها الخاصة، ترفض قطع العلاقة حفاظ على مصالحها، وفي نفس الوقت تدعي ان الحفاظ على هذه العلاقة يهدف الى. خدمة اهل غزة للسماح بادخال المساعدات لغزة ، وهنا صحيح تعد الامارات من اكبر مقدمي المساعدات لاهل غزة عبر حملات " الفارس الشهم "، لكن حتى هذه تخضع للقيود الاسرائلية وليست شيك على بياض !!
بحسب أبو عامر ما جعل القيادة الإماراتية تواجه موجات غير مسبوقة من الانتقادات والكراهية الشعبية في المنطقة مقارنة بزعماء آخرين، لأن مواقفها لم تعد تقتصر على "محاربة الإسلام السياسي" كشأن داخلي، بل تعدت ذلك إلى المشاركة في قضايا تمس وجود الدول واستقرارها.
بين فكي التهديد الإقليمي والتحالف الدولي: دوافع الانقلاب الاستراتيجي الإماراتي
كما يرى الأكاديمي العراقي، الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوزان، في تصريحات خاصة أدلى بها لموقع "180 تحقيقات"، أن الإمارات وجدت نفسها أمام دولة اقليمية كبرى مثل إيران وشاهدت الحروب وشاهدت التهديدات وشاهدت القصف سواء قبل أكثر من عام أو في حرب الـ 12 يوم أو في الحرب الحالية، وهذا ما دفعها إلى تغيير سياستها واستراتيجيتها تماشياً مع الأحداث العسكرية والسياسية.

الأستاذ الدكتور عبد الكريم الوزان
وأضاف أن الإمارات تنطلق من حلف دولي وعليها أن تحافظ على الحلفاء وعلى نفسها. فلا يمكن أن تقط مكتوفة الأيدي والحليف يؤازرها فقط، ثالثاً الجوانب الأمنية خطرة جداً، ونلاحظ مثلاً تدخل الاستخبار الكبير الإسرائيلي في إيران وفي الخليج وحتى في قطر وهذا أيضاً يجعلها أن تنطلق إلى موقع أمني صلب أكثر لتأخذ بنظر الاعتبار التطلعات الجيوسياسية وفي نفس الوقت حماية مصالحها الاقتصادية، والعوامل التي تحدثت عنها العسكرية والأمنية والاقتصادية والتحالف الدولي والتجاه العالم نحو تصفية الحسابات بعيداً عن مجلس الأمن كل ذلك دفع قطر إلى أن تنتقل إلى مزيج من القوى الناعمة والصلبة.
كيف استجابت الإمارات للاضطرابات الإقليمية في العقد الأخير؟
كما قال الكاتب والمحلل السياسي اللبناني عمر محمد العرب لـ “180 تحقيقات”، أن السياسة الخارجية لدولة الإمارات خلال السنوات الأخيرة شهدا تحولًا لافتًا من نموذج يعتمد أساسًا على الدبلوماسية الاقتصادية والمساعدات الإنسانية والتنموية إلى نموذج أكثر شمولًا يجمع بين الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية في آن واحد، هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن البيئة الإقليمية المضطربة التي أعقبت أحداث العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث شهد الشرق الأوسط سلسلة من التحولات السياسية والصراعات المفتوحة، ما دفع العديد من الدول إلى إعادة صياغة عقيدتها الأمنية.

المحلل السياسي اللبناني عمر محمد العرب
وفي هذا السياق، سعت الإمارات إلى تطوير دورها من فاعل اقتصادي داعم للاستقرار والتنمية إلى فاعل إقليمي قادر على التأثير في موازين الأمن والاستقرار. فالمساعدات التنموية لم تعد الأداة الوحيدة في السياسة الخارجية، بل أصبحت جزءًا من منظومة أوسع تشمل الاستثمار الاستراتيجي، وبناء الشراكات الأمنية، والانخراط في ملفات إقليمية حساسة، وبذلك يمكن القول إن التحول الإماراتي لا يعكس بالضرورة تخليًا عن الدبلوماسية الناعمة، بل هو توسيع لأدوات السياسة الخارجية بحيث تجمع بين القوة الاقتصادية والقوة الدبلوماسية والقدرة الأمنية، في محاولة لتعزيز الحضور الإقليمي وضمان حماية المصالح الحيوية للدولة.
وبشأن توسع النفوذ الإماراتي قال إنه يمكن قراءته من زاويتين متكاملتين، من جهة أولى، ترى أبوظبي أن تعزيز حضورها الإقليمي يأتي في إطار المساهمة في حماية الاستقرار ومواجهة التحديات الأمنية التي تهدد المنطقة، مثل الإرهاب، وعدم الاستقرار السياسي، وتهديد الممرات البحرية الحيوية للتجارة والطاقة، لكن من جهة ثانية، لا يمكن إغفال أن أي توسع في الحضور السياسي أو الاقتصادي أو الأمني لدولة ما يؤدي بطبيعته إلى إعادة تشكيل توازنات النفوذ في المنطقة. فالشرق الأوسط اليوم يشهد تنافسًا واضحًا بين قوى إقليمية عدة، وكل دولة تحاول تأمين موقعها في النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل تدريجيًا، ومن هذا المنظور، يمكن القول إن السياسة الإماراتية تجمع بين هدف الاستقرار الإقليمي وبين الرغبة في ترسيخ موقعها كقوة مؤثرة في معادلات الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة وتراجع بعض الأدوار التقليدية وصعود أدوار جديدة.
وحول الدوافع الحقيقية وراء توسع الإمارات في بناء القواعد العسكرية ، أكد “عمر العرب” أن الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية البحرية يمثل أحد الركائز الأساسية في الاستراتيجية الاقتصادية والجيوسياسية لدولة الإمارات، فالإمارات تُعد من أبرز مراكز التجارة والخدمات اللوجستية في العالم، ويعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على شبكات النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية، لذلك فإن توسعها في إدارة الموانئ أو الاستثمار فيها، وكذلك تطوير شراكات أمنية في محيطها البحري، يمكن فهمه في إطار حماية طرق التجارة الدولية وتعزيز دورها كمحور لوجستي عالمي يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، كما أن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط، وخصوصًا الممرات البحرية مثل باب المندب ومضيق هرمز والبحر الأحمر، يجعل من السيطرة اللوجستية أو الحضور الاستراتيجي في هذه المناطق عاملًا مهمًا في تأمين تدفق التجارة والطاقة، بالتالي فإن الاستثمارات الإماراتية في الموانئ والبنية التحتية البحرية تمثل مزيجًا من الدوافع الاقتصادية والاستراتيجية، حيث تسعى الدولة إلى تعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي وفي الوقت نفسه حماية مصالحها الحيوية المرتبطة بالتجارة البحرية.
وقال إن دور الإمارات في القرن الإفريقي وأرض الصومال ضمن صراع النفوذ على الممرات البحرية، قال إن منطقة القرن الإفريقي تُعد من أكثر المناطق حساسية من الناحية الجيوسياسية، إذ تقع على مقربة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وفي هذا السياق، اتجهت الإمارات خلال السنوات الماضية إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في عدد من دول القرن الإفريقي، بما في ذلك مشاريع تطوير الموانئ والبنية التحتية، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية هذه المنطقة في معادلات التجارة العالمية والأمن البحري، كما أن الاهتمام الإماراتي بالمنطقة يتقاطع مع اهتمام قوى إقليمية ودولية أخرى، ما يجعل القرن الإفريقي ساحة لتنافس هادئ أحيانًا ومكشوف أحيانًا أخرى بين عدة أطراف تسعى لتعزيز حضورها على خطوط الملاحة الدولية، ومن هنا يمكن فهم الدور الإماراتي في القرن الإفريقي باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية الممرات البحرية وتعزيز النفوذ الاقتصادي، وفي الوقت نفسه محاولة للمساهمة في مشاريع التنمية والبنية التحتية التي تحتاجها دول المنطقة.
كما كشفت الباحثة والكاتبة السياسية الفلسطينية، الدكتورة تمارا حداد، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، عن ملامح أزمة عميقة في الوعي الجمعي العربي تجاه ملف التطبيع، مشيرة إلى وجود فجوة هائلة بين التوجهات الرسمية لبعض الدول والمزاج الشعبي العام.

الدكتورة تمارا حداد
وأوضحت حداد أن استطلاعات الرأي الأخيرة، وتحديداً مؤشر الرأي العربي 2025–2026، كشفت حقيقة صادمة للصناع القرار؛ حيث أن 87% من العرب يرفضون الاعتراف بإسرائيل، بينما لا تتجاوز نسبة المؤيدين للتطبيع حاجز الـ 6%.
حرب غزة والمزاج العربي: قراءة في الموقف الإماراتي
وترى الدكتورة تمارا حداد أن استمرار العلاقات الإماراتية الإسرائيلية خلال حرب غزة يُقرأ على المستوى الشعبي باعتباره خروجاً واضحاً عن المزاج العربي العام، وتجاهلاً لمعاناة الفلسطينيين، واصطفافاً سياسياً أكثر منه خياراً للسلام.
وتؤكد حداد أن المنطقة شهدت تصاعداً ملحوظاً في رفض التطبيع بعد الحرب، حتى في الدول التي كانت تظهر انفتاحاً سابقاً، مما جعل الشارع العربي يحلل العلاقة الإماراتية–الإسرائيلية عبر ثلاث سرديات متنافسة:
السردية النقدية “الأوسع شعبياً”: ترى أن استمرار العلاقات أثناء الحرب هو تطبيع بلا ثمن سياسي حقيقي للفلسطينيين.
السردية البراغماتية “النخبوية”: تفترض أن امتلاك علاقات مباشرة مع إسرائيل يمنح قدرة أكبر على التأثير في سياساتها واستخدام التطبيع كأداة ضغط، وهي رؤية أقل انتشاراً في الأوساط الشعبية.
السردية الاستراتيجية “الرسمية": تتبناها الحكومات وترى في العلاقة خياراً استراتيجياً مرتبطاً بالأمن والتكنولوجيا والتحالف مع واشنطن، بغض النظر عن الأزمات الطارئة.
وكشف الدكتور صالح طاهر سعيد، أستاذ الفلسفة السياسية المساعد بجامعة عدن، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، عن الانهيار الوشيك لمسارات السلام التي رعتها واشنطن تحت مسمى "الاتفاقات الإبراهيمية".

الدكتور صالح طاهر سعيد
ويرى د. صالح أن إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، كانت تبحث عن بوابة للتحول من "ضيف ثقيل وجسم غريب" في المنطقة العربية إلى "جسم مألوف"، لكن السلوك اللاحضاري والغطرسة الإسرائيلية أديا إلى نتيجة عكسية تماماً، حيث تتقلص دائرة حلفائها اليوم إلى أضيق حلقاتها، وتتحول القضية الفلسطينية من بعدها العربي والإسلامي لتصبح "قضية الإنسانية جمعاء".
الهروب من "الأرض" إلى "السماء": استراتيجية واشنطن الفاشلة
ويؤكد الدكتور صالح طاهر أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً استراتيجياً عندما أسقطت القضايا الجوهرية للصراع، المتمثلة في الاحتلال وتشريد الشعب الفلسطيني، وحاولت تسويق القضية وكأنها مجرد "خلاف ديني".
ويوضح قائلاً: "بدلاً من البحث عن الحلول في الأرض، بحثت واشنطن عنها في السماء، واختارت اسم النبي إبراهيم -عليه السلام- بوصفه الخيار الجامع للأديان، ليكون بوابة للولوج في مسار التطبيع، ورغم أن أطرافاً عربية رأت في هذه البوابة مساراً لتسريع حل الدولتين على حدود 1967، إلا أن الإرادة الإسرائيلية ظلت متباعدة ومتصادمة مع هذا الطموح".
الاستغلال الإسرائيلي لمظلة "إبراهيم" وشرعنة التوسع
ويشير أستاذ الفلسفة السياسية إلى أن إسرائيل ذهبت في منحى "أن تأخذ دون أن تعطي"، حيث أرادت جعل الاتفاقات الإبراهيمية مظلة لشرعنة وجودها وحروبها التوسعية في غزة والضفة وجنوب لبنان وسوريا، وبدلاً من أن تكون الاتفاقات جسراً للسلام، حولتها تل أبيب إلى أداة لخلق انقسامات في العالم العربي بين دول تطبع وأخرى ترفض، هذا السلوك، بحسب د. صالح، كتب "شهادة وفاة" فعلية للاتفاقات الإبراهيمية، ووضع نهاية لأي محاولات لبناء تقاطعات استراتيجية أو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية كما كان مأمولاً.
توتر العلاقات مع الإمارات و"الخطوط الحمراء" في الضفة
وفي نقطة جوهرية، كشف الدكتور صالح طاهر عن توتر ملحوظ في علاقات إسرائيل مع الدول الموقعة على الاتفاقات، وبوجه الخصوص مع دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد حذرت أبوظبي إسرائيل مؤخراً من أن أي محاولة لضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة تُعد "خطاً أحمر" يقوض روح الاتفاقيات، ويأتي هذا التحذير في وقت يتعهد فيه وزراء في الحكومة الإسرائيلية بـ "دفن فكرة الدولة الفلسطينية" عبر التوسع الاستيطاني الجنوني، مما جعل الدول العربية الموقعة تشعر بأن المسار الذي سلكته بات يسير في الاتجاه المعاكس تماماً لأهدافها القومية.
الجسم العربي ومنظومة المناعة ضد "السرطان" السياسي
واختتم الدكتور صالح طاهر سعيد تحليله بوصف رمزي شديد القسوة، حيث اعتبر أن إسرائيل ظهرت في الجسم العربي "أشبه بالمرض السرطاني"، مشيراً إلى أن منظومة المناعة العربية الحالية تبدو ضعيفة، مما يجعل هذا المرض مؤثراً ومميتاً، وشدد على أن الاستمرار في مسارات السلام مع حكومة تمارس الغطرسة والقتل لن يؤدي إلا إلى "خروج جماعي" للدول العربية من تلك الاتفاقات، مؤكداً أن الأمن الحقيقي لن يتحقق إلا بتغييرات جذرية ترفع مستوى "المناعة والقوة" في الجسم العربي لمواجهة التحديات الوجودية.
ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، محمد مصطفى شاهين، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن التحول الذي شهدته عقيدة دولة الإمارات منذ أحداث "الربيع العربي" الذي تحول لاحقاً إلى خريف دامٍ ، يبرز كواحدة من أهم الظواهر الجيوسياسية التي تستحق التأمل العميق.

المحلل السياسي الفلسطيني، محمد مصطفى شاهين
ويشير إلى أن ما حدث ليس مجرد تطوير تكتيكي بسيط، بل هو إعادة صياغة جذرية لدور الدولة الخليجية في محيط عربي بات يعج بالميليشيات والوكلاء والفراغات الأمنية الخطيرة، فبينما كانت دبلوماسية المساعدات المتمثلة في المستشفيات الميدانية في غزة والصومال واليمن قبل عام 2014 تعبيراً عن "القوة الناعمة" وسياسة اليد الممدودة التي أرساها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، فإن العقيدة الحالية تزاوج بين هذه اليد وبين "السيف المسلح"، ما يعني القدرة على إسقاط القوة العسكرية عبر الحدود لملء الفراغ الاستراتيجي قبل أن تستغله أطراف أخرى.
براغماتية المواجهة ومنع انهيار الدول المركزية
ورداً على التساؤلات المتعلقة بتداخل سياسات أبوظبي مع التحركات في السودان واليمن وليبيا، يشدد شاهين على أن الجواب يتجاوز التفسيرات السطحية التي تروج لفكرة "تفكيك الدول"، ويرى أن التحركات الإماراتية تمثل "جسراً براغماتياً" ينطلق من مبدأ أن الفراغ الأمني هو ما يولد "الوحوش" والميليشيات المتطرفة، ففي اليمن، لم تكن الخطوات الإماراتية دعماً للانفصال، بل دعماً لكيانات محلية قادرة على الصمود أمام التحديات، وفي ليبيا كانت السند لقوى تسعى لإعادة لملمة شتات الدولة، وفي السودان تمثلت الجهود في منع تحول البلاد إلى "صومال ،هذا السلوك يعكس واقعية "بوليتيكية" بحتة في زمن بات فيه اللاعبون غير الدوليين يشكلون التهديد الأكبر للأمن القومي.
وفي ختام تصريحه، أكد شاهين أن الدرس المستفاد هو أن القوة لا تُقاس بعدد الدبابات فقط، بل بالقدرة على الفعل الذكي في الزمان والمكان المناسبين، معتبراً أن أبوظبي تكتب اليوم صفحة جديدة في كتاب الأمن العربي، قد تشكل بداية لصحوة استراتيجية حقيقية وشاملة.
معيار القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي العربي
كما أكد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني عزات جمال، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن الصورة تبدو واضحة تماماً على مستوى الشارع العربي فيما يتعلق بالنظر إلى استمرار العلاقات الإماراتية مع إسرائيل في ظل الظروف الراهنة.

عزات جمال
وأوضح جمال أن القضية الفلسطينية ما تزال تشكل المعيار الأخلاقي والسياسي الأساسي في الوعي الجمعي العربي، خاصة مع استمرار العدوان والحصار الجائر على قطاع غزة، وما تبع ذلك من توسع رقعة الصراع لتشمل حرباً عدوانية على الجمهورية الإسلامية في إيران.
ويرى المحلل أن استمرار هذه العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي يخلق فجوة عميقة ومتزايدة بين المزاج الشعبي العربي والإسلامي وبين السياسات الرسمية لبعض الدول، وهي فجوة أصبحت أكثر وضوحاً وحدة بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، مما يضع التوجهات الإقليمية لبعض العواصم تحت مجهر النقد الشعبي اللاذع.
بلقنة السياسة وتراجع منظومة الأمن العربي المشترك
وبحسب رؤية عزات جمال، فإن المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في الجدل القائم حول التطبيع أو رفض دعوات "إسرائيل الكبرى" التي يروج لها الفكر الصهيوني والإنجيلي، بل تمتد لتشمل السياق الإقليمي الأوسع الذي يتشكل اليوم في المنطقة العربية.
وأشار جمال إلى أن الحروب الممتدة، وتعدد القوى الدولية المتدخلة، مع تراجع قدرة المؤسسات العربية الرسمية على إدارة الأزمات، كلها عوامل تدفع المنطقة تدريجياً نحو ما يمكن وصفه بـ "البلقنة السياسية"، في هذا السيناريو، تتحول الدول العربية والإسلامية إلى ساحات تنافس مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية كبرى، مما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف فكرة الأمن القومي العربي والإسلامي المشترك وتفتيت وحدة الموقف تجاه التحديات الوجودية التي تواجه السيادة الوطنية لكل دولة على حدة.
سيناريوهات النظام الإقليمي الجديد وهيمنة الاحتلال
في ظل هذا المشهد المعقد، حذر المحلل السياسي من أن المنطقة تبدو وكأنها تتجه نحو نظام إقليمي جديد يسعى لتكريس فكرة تنصيب إسرائيل كـ "سيد المنطقة" والآمر الناهي في شؤونها الاستراتيجية، هذا التوجه يأتي بالتزامن مع تراجع ملحوظ لفكرة النظام العربي الجامع والوحدة العربية التي كانت تمثل حائط الصد الأول ضد الأطماع الخارجية، وإن محاولة فرض إسرائيل كمركز ثقل إقليمي لا تستند فقط إلى القوة العسكرية، بل إلى استغلال حالة التفكك العربي لتحويل الدول إلى كيانات وظيفية تخدم مصالح القوى الكبرى، وهو ما يضع مستقبل الهوية السياسية للمنطقة في مهب الريح، ويهدد بتحويل الدول القومية إلى مجرد "جزر نفوذ" متنازعة تفتقر إلى الإرادة السياسية المستقلة والقدرة على حماية حدودها ومصالح شعوبها.
آفاق بناء منظومة أمنية قادرة على حماية السيادة
وعن إمكانية الخروج من هذا المأزق، يرى جمال أن احتمال بناء منظومة أمن إقليمي عربي يبقى قائماً من الناحية النظرية، لكنه يظل رهناً بتوافقات استراتيجية عميقة تدرك حجم الخطر ودقة اللحظة التاريخية الراهنة، وإن إعادة بناء هذه المنظومة تتطلب أولاً إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي بما يتناسب مع التهديدات الحديثة، ثم المرور بإصلاح شامل للمؤسسات الإقليمية العربية لتفعيل دورها، وانتهاءً بمعالجة جذور الصراعات البينية التي استنزفت الطاقات العربية لسنوات طويلة. وبدون هذه الخطوات، ستظل المنطقة عرضة للتدخلات الخارجية التي تستثمر في الخلافات العربية لتعزيز وجودها وهيمنتها، مما يجعل من فكرة "السيادة العربية" مجرد شعار يفتقر إلى آليات التنفيذ الحقيقية على أرض الواقع.
نحن في موقع "180 تحقيقات"، لا نتبنى سردية دون غيرها، بل نؤمن بأن الحقيقة تكمن في تقديم الصورة كاملة بكل تعقيداتها وتناقضاتها.
فإن تنوع الآراء الواردة في هذا الملف، من الهجوم الحاد على سياسات التوسع إلى الإشادة بالقدرة على الفعل الذكي، هو انعكاس لحالة الجدل القائم في الشارع العربي والدوائر السياسية، وسيبقى هدفنا دائماً هو تفكيك الصندوق الأسود للأحداث، ليس من أجل الانحياز، بل من أجل تمكين القارئ العربي من فهم آليات هندسة الخرائط الجديدة، واضعين نصب أعيننا أن استقرار الشعوب وحقها في المعرفة هما البوصلة الوحيدة التي توجه مسارنا التحريري.










