كشفت مصادر مطلعة أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استهلكت كميات ضخمة من الذخائر الحيوية منذ بدء العدوان على إيران في 28 فبراير الماضي، ما أدى إلى استنزاف مخزون عسكري يكفي لسنوات، وسط مخاوف متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بشأن كلفة الحرب وقدرة واشنطن على تعويض مخزونها سريعاً.
وذكرت صحيفة Financial Times أن الاستنزاف السريع شمل صواريخ بعيدة المدى من طراز توماهوك، التي تعد من أبرز الأسلحة المستخدمة في الضربات الدقيقة بعيدة المدى، الأمر الذي قد يضع ضغوطاً طويلة الأمد على قدرات البحرية الأميركية.
إنفاق ضخم على صواريخ توماهوك
بحسب مصادر مطلعة على استخدام الذخائر داخل الجيش الأمريكي، فإن وتيرة إطلاق صواريخ توماهوك خلال العمليات العسكرية الحالية كانت مرتفعة للغاية، وقال أحد المصادر إن ما يحدث يمثل “إنفاقاً هائلاً” على هذه الصواريخ المتطورة، مضيفاً أن هذا الاستهلاك المكثف قد يثقل كاهل البحرية الأمريكية لسنوات قادمة في ظل كلفة إنتاج مرتفعة وقدرات تصنيع محدودة نسبياً.
ويبلغ ثمن الصاروخ الواحد نحو 3.6 مليون دولار، وهو صاروخ كروز دون سرعة الصوت مزود برأس حربي يزن نحو ألف رطل.
العدوان على إيران يشل مضيق هرمز
تزامن هذا الاستنزاف العسكري مع تداعيات اقتصادية واسعة، إذ أدت الحرب إلى تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، ما زاد من الضغوط السياسية على إدارة ترامب في وقت حساس سياسياً.
فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يواجه البيت الأبيض تزايد الاستياء الشعبي بسبب ارتفاع أسعار البنزين، في وقت يتساءل فيه كثير من الناخبين عما إذا كانت البلاد قد انزلقت إلى حرب طويلة جديدة في الشرق الأوسط.
11 مليار دولار خلال الأيام الأولى
أبلغ مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي أن تكلفة الحرب على إيران تجاوزت 11 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى فقط من الضربات، وأفاد المسؤولون بأن الجزء الأكبر من هذه الكلفة ذهب إلى الذخائر المستخدمة في العمليات العسكرية.
كما قدّر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية أن الولايات المتحدة أطلقت 168 صاروخاً من طراز توماهوك خلال أول 100 ساعة من الحرب، ومن المنتظر أن يقدم الجيش الأمريكي إحاطة تفصيلية للكونغرس خلال الأيام المقبلة بشأن حجم الذخائر المستخدمة في العمليات.
مخاوف من تجاوز الاستهلاك للإنتاج
كان مسؤولون أمريكيون قد حذروا خلال السنوات الأخيرة من احتمال أن يتجاوز استهلاك الذخائر الحيوية قدرة الصناعات العسكرية على إنتاجها، خصوصاً في حال انخراط الولايات المتحدة في صراعات متعددة مع قوى كبرى مثل روسيا أو الصين.
ويرى خبراء أن استمرار وتيرة الاستهلاك الحالية قد يؤدي إلى استنزاف خطير في مخزون الأسلحة الأمريكية، ما قد يحد من جاهزية الجيش لمواجهة نزاعات مستقبلية.
وتتولى شركة RTX تصنيع صواريخ توماهوك، إلا أن الإنتاج السنوي لا يزال محدوداً مقارنة بمعدلات الاستهلاك في النزاعات الكبرى.
وخلال السنوات الخمس الماضية اشترى الجيش الأمريكي 322 صاروخاً فقط من هذا الطراز، من بينها 57 صاروخاً خصصتها البحرية للسنة المالية 2026 بكلفة بلغت 206.6 مليون دولار.
استهلاك متواصل منذ سنوات
تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة استخدمت ما لا يقل عن 124 صاروخاً من طراز توماهوك خلال العمليات العسكرية ضد أنصار الله في اليمن وضرب المنشآت النووية الإيرانية خلال عامي 2024 و2025، ورغم هذه الأرقام، حاولت الإدارة الأمريكية التقليل من المخاوف المرتبطة بالمخزون العسكري.
فقد قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث إن الولايات المتحدة لا تعاني نقصاً في الذخائر، مؤكداً أن مخزونات الأسلحة الهجومية والدفاعية كافية لمواصلة الحملة العسكرية طالما دعت الحاجة.
كما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن الجيش الأمريكي يمتلك مخزوناً كافياً لتحقيق أهداف عملية “الغضب الملحمي” التي أعلنها الرئيس.
طلب تمويل إضافي يثير معركة سياسية
في المقابل، يستعد البنتاجون لتقديم طلب رسمي إلى البيت الأبيض والكونغرس للحصول على تمويل إضافي قد يصل إلى 50 مليار دولار لتغطية نفقات الحرب على إيران، ومن المتوقع أن يفتح هذا الطلب الباب أمام معركة سياسية حادة في الكابيتول، حيث يبدي عدد من المشرعين قلقهم من ارتفاع كلفة الصراع.
ففي ظل سيطرة الجمهوريين بفارق ضئيل على مجلس النواب، قد يعارض المحافظون الماليون أي زيادة كبيرة في الإنفاق الحكومي، خاصة إذا ارتبطت بحزم مالية أخرى.
انقسام داخل الكونغرس حول الحرب
حذرت السيناتورة الجمهورية ليزا موركوفسكي من أن الكونغرس لن يمنح الإدارة “تمويلاً مفتوحاً” دون مبررات واضحة، وأكدت أن على وزارة الدفاع تقديم معلومات مفصلة للمشرعين قبل طلب أي تمويل إضافي، مشددة على أن دور الكونغرس لا يقتصر على “إصدار الشيكات”.
في المقابل، يتردد العديد من الديمقراطيين في دعم تمويل إضافي لحرب إيران، بعدما وصفوا العمليات العسكرية ضد إيران بأنها غير قانونية لأنها لم تحصل على تفويض من الكونغرس، ورغم ذلك، دعا زعيم الأغلبية الجمهورية السابق في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل المشرعين إلى الموافقة على الميزانية التكميلية للجيش، معتبراً أنها فرصة لتعزيز أولويات الدفاع الاستراتيجية.
حرب مكلفة أمام سلاح رخيص
سلّط بعض المشرعين الضوء على الفارق الكبير في كلفة الأسلحة المستخدمة في الحرب، فقد أشار السيناتور الديمقراطي مارك كيلي إلى أن الصواريخ الدفاعية المستخدمة مثل باتريوت وثاد تبلغ كلفة القذيفة الواحدة منها ملايين الدولارات، في المقابل، تعتمد إيران على طائرات مسيّرة رخيصة نسبياً مثل طائرات شاهد التي يقدّر مسؤولو الاستخبارات الأمريكية أن كلفة إنتاجها قد لا تتجاوز 30 ألف دولار.
أما السيناتور الديمقراطي رون وايدن فقد حذّر من أن الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات على حرب إيران التي لا تحظى بشعبية واسعة بين الأمريكيين، مؤكداً أن كلفة الصراع “تتزايد باستمرار” وتصل إلى مستويات وصفها بأنها فلكية.








