قدم عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع تشريع يهدف إلى منع الولايات المتحدة من مهاجمة كوبا دون موافقة الكونغرس، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف داخل المؤسسة التشريعية من توسع استخدام القوة العسكرية من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد الحرب الأخيرة على إيران.
ويهدف التشريع إلى إلزام الرئيس بسحب القوات الأمريكية من أي عمليات قتالية محتملة ضد كوبا ما لم يحصل على تفويض صريح من الكونغرس، وسط تحذيرات من أن التوترات الحالية قد تمهد لصراع جديد في منطقة البحر الكاريبي.
مشروع قانون
قدم مشروع القرار السيناتور الديمقراطي تيم كاين إلى جانب كل من روبن جاليجو وآدم شيف، مستندين إلى قانون قرارات صلاحيات الحرب الذي يهدف إلى تقييد قدرة الرئيس الأمريكي على خوض حروب دون موافقة السلطة التشريعية، ومن المتوقع أن يُطرح المشروع للتصويت في مجلس الشيوخ قبل نهاية الشهر الجاري.
وقال كاين في بيان إن الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب، معتبراً أن الرئيس يتصرف وكأن الجيش الأمريكي “حرس قصر”، من خلال إصدار أوامر بعمليات عسكرية في عدة مناطق من العالم دون تفويض واضح من الكونغرس أو شرح للشعب الأمريكي.
وأشار إلى أن العمليات العسكرية الأخيرة شملت مناطق مثل إيران إضافة إلى تحركات في منطقة البحر الكاريبي وفنزويلا.
تصريحات ترامب تثير المخاوف
جاءت الخطوة الديمقراطية بعد تصريحات للرئيس ترامب ألمح فيها إلى احتمال “الاستيلاء” على كوبا، وقال ترامب خلال مؤتمر صحافي في ولاية فلوريدا إن السيناريو المحتمل قد يكون “استيلاءً ودياً أو غير ودي”، مشيراً إلى أن هذا الملف قد يصبح أولوية بعد انتهاء الحرب مع إيران.
وأوضح أن وزير الخارجية ماركو روبيو يجري محادثات مع القيادة الكوبية، في وقت تواجه فيه الجزيرة أزمة طاقة خانقة تفاقمت بسبب الحصار الأمريكي المفروض عليها منذ سنوات، وتعد تصريحات ترامب واحدة من أكثر الإشارات المباشرة لاحتمال تدخل أمريكي في كوبا منذ عقود، وهو ما أثار قلقاً داخل الكونغرس بشأن احتمال فتح جبهة صراع جديدة.
تاريخ طويل من التوتر بين واشنطن وكوبا
لطالما اتسمت العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا بالتوتر، وتواصل واشنطن فرض عقوبات وحصار اقتصادي على الجزيرة منذ ستينيات القرن الماضي، بينما ظل احتمال التدخل العسكري الأمريكي أحد أبرز المخاوف التاريخية في العلاقات بين البلدين.
ويُعرف وزير الخارجية ماركو روبيو بمواقفه المتشددة تجاه كوبا، حيث تعود أصول عائلته إلى الجزيرة بعد هجرتها إلى الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، وقد قال روبيو في وقت سابق من هذا العام إن إدارة ترامب تود رؤية تغيير في النظام السياسي في كوبا، لكنه أشار إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة السعي المباشر لاستفزاز القيادة الكوبية.

الديمقراطيون يستخدمون “صلاحيات الحرب”
في السنوات الأخيرة لجأ الديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأمريكي مراراً إلى استخدام آلية قرارات صلاحيات الحرب لفرض نقاشات برلمانية حول قرارات الرئيس المتعلقة باستخدام القوة العسكرية في الخارج، ورغم أن هذه المحاولات لم تنجح حتى الآن في تمرير قرارات ملزمة بسبب معارضة الجمهوريين، فإنها أجبرت الإدارة الأمريكية في بعض الأحيان على توضيح أهدافها العسكرية أمام الكونغرس.
كما يخطط الديمقراطيون خلال الأسبوع المقبل لمحاولة فرض تصويت على سلسلة قرارات مشابهة تتعلق بالحرب ضد إيران، ما لم يوافق الجمهوريون على عقد جلسات استماع علنية بشأن هذا الصراع.
لماذا جاء التحرك بعد العدوان على إيران؟
يرى مراقبون أن طرح هذا التشريع في الوقت الحالي يعكس القلق المتزايد داخل الكونغرس من توسع نطاق العمليات العسكرية الأمريكية بعد العدوان على إيران، فالحرب الأخيرة أظهرت قدرة الإدارة الأمريكية على الدخول في صراع كبير دون تفويض واضح من الكونغرس، وهو ما أثار مخاوف من إمكانية تكرار السيناريو نفسه في مناطق أخرى.
كما أن تصريحات ترامب حول “الاستيلاء” على كوبا دفعت الديمقراطيين إلى محاولة استباق أي تحرك عسكري محتمل في منطقة البحر الكاريبي، إضافة إلى ذلك، يخشى بعض المشرعين من أن تؤدي سياسة المواجهة المتصاعدة إلى فتح عدة جبهات في وقت واحد، خصوصاً مع استمرار التوترات مع قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين.
انقسام سياسي داخل واشنطن
في المقابل، يواصل العديد من الجمهوريين دعمهم لسياسات إدارة ترامب الخارجية، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية ضد خصوم الولايات المتحدة، لكن السيناتور الديمقراطي روبن جاليجو اتهم الرئيس بالتخلي عن شعاره الانتخابي “أميركا أولاً”، قائلاً إن سياساته أصبحت أقرب إلى الاستجابة لضغوط “صقور الحرب” داخل الحزب الجمهوري.
ويرى محللون أن الجدل الدائر داخل الكونغرس حول هذا التشريع يعكس صراعاً أوسع داخل واشنطن حول حدود سلطة الرئيس في اتخاذ قرارات الحرب، خصوصاً في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتزايد احتمال انخراط الولايات المتحدة في صراعات متعددة حول العالم.









