شهد لبنان منذ انطلاق العدوان الإسرائيلي الواسع في الثاني من مارس الجاري تصعيداً عسكرياً هو الأعنف، مما أدى إلى سقوط حصيلة ثقيلة من الضحايا والنازحين.
وبحسب المعطيات الرسمية والطبية، فقد استشهد 826 شخصاً وأصيب 2009 آخرون بجروح متفاوتة، جراء الغارات الجوية العنيفة التي استهدفت الضاحية الجنوبية والبقاع وقرى الجنوب اللبناني.
وبالتوازي مع القصف المركز، تسببت أوامر الإخلاء القسري والتهديدات المستمرة من قبل جيش الاحتلال في موجة نزوح كبرى، حيث تشير الإحصاءات إلى نزوح 831 ألفاً و882 شخصاً تركوا منازلهم وقراهم بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.
هذا الوضع الإنساني المتدهور يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات لوجستية وطبية هائلة، في ظل استمرار استهداف البنى التحتية والمناطق السكنية المأهولة التي لم تسلم من صواريخ الاحتلال الفتاكة التي تهدف إلى الضغط على الحاضنة الشعبية والموقف السياسي.
رد المقاومة واتساع رقعة الاستهداف في العمق الإسرائيلي
على الصعيد الميداني المقابل، لم يقف حزب الله مكتوف الأيدي أمام الغارات المستمرة، حيث صعدت المقاومة من عملياتها العسكرية يوم السبت، موجهة رشقات صاروخية وطائرات مسيّرة انتحارية نحو أهداف استراتيجية وتجمعات حدودية.
وطالت الاستهدافات مناطق واسعة شملت الجليل الأعلى والجليل الغربي، وصولاً إلى مدينة حيفا المحتلة والجولان السوري المحتل، مما أدى إلى دوي صافرات الإنذار في عشرات المستوطنات والبلدات. ويهدف حزب الله من خلال هذه العمليات إلى فرض معادلة ردع ميدانية تؤكد قدرته على الوصول إلى العمق الإسرائيلي وتعطيل الحياة في المراكز الحيوية، رداً على سياسة التهجير والقتل الممنهج التي يمارسها الاحتلال.
وتؤكد المصادر الميدانية أن استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية في هذه المرحلة يمثل رسالة قوية حول دقة الأهداف التي يمكن للمقاومة إصابتها رغم الاستنفار الدفاعي الإسرائيلي المكثف.
تحركات دبلوماسية في قبرص وفرنسا لترسيم الهدنة
في ظل هذا التصعيد الميداني، تسعى السلطات اللبنانية بشكل حثيث لفتح قنوات مفاوضات مباشرة مع تل أبيب تهدف إلى التوصل لاتفاق فوري لوقف إطلاق النار. وأفادت مصادر مطلعة بأنه من المقرر عقد جولة مفاوضات حاسمة خلال الأيام القليلة القادمة، ويرجح أن تستضيفها جمهورية قبرص أو فرنسا، مع ترجيحات قوية بعقدها في قبرص لقربها الجغرافي وحيادها النسبي.
ويقود الجانب الإسرائيلي في هذه المفاوضات وزير الشؤون الاستراتيجية السابق "رون ديرمر"، الذي كلفه بنيامين نتنياهو شخصياً لإدارة هذا الملف المعقد.
وما يعطي هذه المفاوضات ثقلاً دولياً استثنائياً هو الحضور المرتقب لـ "جاريد كوشنر"، صهر الرئيس الأمريكي السابق ومستشاره، الذي سيمثل الجانب الأمريكي وسيطاً ومحركاً لعملية السلام المفروضة، مما يشير إلى أن واشنطن تضغط باتجاه حل سياسي يغير موازين القوى في المنطقة بما يتماشى مع رؤيتها الاستراتيجية الجديدة.
شروط الاحتلال ومخاطر العملية البرية الشاملة
تتمحور المفاوضات المرتقبة حول مطلب إسرائيلي أساسي وغير قابل للتفاوض، وهو "نزع سلاح حزب الله" وتطبيق القرار الدولي 1701 بصيغة أكثر صرامة تضمن خلو المنطقة الحدودية من أي وجود عسكري غير رسمي.
ومع ذلك، تشير التقديرات الأمنية إلى أن إسرائيل لا تكتفي بالمسار الدبلوماسي كخيار وحيد، بل تضع على الطاولة خطة لتنفيذ عملية برية واسعة تهدف للسيطرة الفعلية على أراضٍ لبنانية تمتد حتى نهر الليطاني.
وأكدت مصادر مطلعة أن احتمال لجوء جيش الاحتلال لهذا الخيار العسكري البري أصبح "مرتفعاً جداً"، في حال فشلت المفاوضات في تحقيق الشروط الإسرائيلية بالسرعة المطلوبة.
إن هذا التهديد بالاجتياح يمثل وسيلة ضغط قصوى على المفاوض اللبناني، حيث تسعى إسرائيل لفرض واقع جغرافي جديد يضمن أمن مستوطنات الشمال عبر احتلال "منطقة عازلة" داخل السيادة اللبنانية.










