20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بين الصواريخ والنبوءات: هل يقود الصراع مع إيران إلى حرب عالمية دينية؟

في لحظة تبدو فيها التوترات في الشرق الأوسط أقرب إلى الانفجار الشامل، لم يكن الهجوم على إيران حدثًا عسكريًا عابرًا بالنسبة لطهران

بقلم: أخبار ومتابعات
١٥ مارس ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
24 مشاهدة
هل يقود الصراع مع إيران إلى حرب عالمية دينية؟

هل يقود الصراع مع إيران إلى حرب عالمية دينية؟

في لحظة تبدو فيها التوترات في الشرق الأوسط أقرب إلى الانفجار الشامل، لم يكن الهجوم على إيران حدثًا عسكريًا عابرًا بالنسبة لطهران فحسب، بل هزّ أيضًا حسابات القوى الدولية المرتبطة بها، وعلى رأسها روسيا. فموسكو، التي تتابع التطورات بقلق متزايد، ترى في استقرار إيران أحد أعمدة التوازن الجيوسياسي الذي يحدّ من الهيمنة الغربية.

ومن هذا المنطلق، لا تنظر القيادة الروسية إلى ما يجري باعتباره أزمة إقليمية محدودة، بل اختبارًا حساسًا لمكانتها الدولية وقدرتها على حماية شبكة تحالفاتها في عالم يتجه بسرعة نحو صدامات أكبر.

إيران تقلق الكرملين

وقال عميت فيرشيتسكي عن "هآرتس" العبرية، لم يكن رد الفعل الروسي على التصعيد ضد إيران صاخبًا عسكريًا، لكنه حمل رسائل سياسية واضحة. فقد اكتفت موسكو حتى الآن بإدانة الضربات التي استهدفت إيران، مع توجيه اتهامات للولايات المتحدة وإسرائيل بانتهاك القانون الدولي وزعزعة استقرار المنطقة. وفي الوقت نفسه، عرضت روسيا لعب دور الوسيط، داعية إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

غير أن هذا الخطاب الحذر يخفي قلقًا عميقًا داخل الكرملين. فبالنسبة لموسكو، لا تمثل إيران مجرد حليف إقليمي، بل عنصرًا أساسيًا في محور دولي يسعى إلى كبح النفوذ الغربي. وقد شهدت روسيا في السنوات الأخيرة سلسلة من التحديات في مناطق نفوذها، بدءًا من الضغوط المتزايدة في سوريا خلال مرحلة حكم بشار الأسد، وصولًا إلى الأزمات التي طالت حلفاء آخرين مثل فنزويلا في عهد نيكولاس مادورو. ولذلك، فإن خسارة شريك استراتيجي بحجم إيران قد تُعد ضربة قاسية لمكانة روسيا الدولية، خاصة في لحظة تسعى فيها إلى إثبات قدرتها على مواجهة الضغوط الغربية المتصاعدة.

تحذيرات التصعيد

انعكس هذا القلق في تصريحات عدد من كبار المسؤولين الروس. فقد حذر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس السابق ديمتري ميدفيديف من أن أي هجوم أميركي – إسرائيلي على إيران قد يشعل فتيل تصعيد واسع النطاق، وربما يقود إلى مواجهة عالمية. وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الروسية "تاس"، اعتبر ميدفيديف أن ما يجري ليس مجرد عملية عسكرية محدودة، بل جزء من محاولة غربية لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

أما وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فقد عبّر عن مخاوف مشابهة، مشيرًا إلى أن الحرب قد تأتي بنتائج معاكسة تمامًا لما يتوقعه مؤيدوها. فبدلًا من تعزيز الأمن في المنطقة، قد تؤدي المواجهة إلى تسريع سباق التسلح النووي، إذ قد تستنتج دول الشرق الأوسط أن امتلاك السلاح النووي هو الضامن الوحيد لحمايتها من الهجمات العسكرية.

صوت الفيلسوف

لكن لفهم الذهنية التي تتشكل داخل بعض الأوساط المؤثرة في روسيا، لا يكفي الاكتفاء بالتصريحات الرسمية. فهناك أصوات فكرية أكثر راديكالية تطرح قراءة مختلفة للصراع العالمي. ومن أبرز هذه الأصوات الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين، الذي يُعرف بتأثيره الفكري على دوائر قومية محافظة قريبة من السلطة في موسكو.

يدعو دوغين منذ سنوات إلى إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب، يقوم على توازن بين الحضارات الكبرى بدلًا من الهيمنة الغربية الليبرالية. وهو يرى أن العالم أحادي القطب الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ليس سوى شكل من أشكال "الإمبريالية الروحية"، التي تسعى إلى فرض نموذجها الثقافي والسياسي على بقية العالم.

في رؤيته، لا تُعد الدول مجرد كيانات سياسية، بل حضارات تاريخية تمتلك هويات وقيمًا خاصة بها. ولذلك، يرفض دوغين فكرة إخضاع ثقافة أو نظام سياسي لمعايير حضارة أخرى، ويعتبر أن الصراع العالمي الدائر اليوم هو في جوهره صراع بين نماذج حضارية متنافسة.

خيبة الأمل من ترامب

في مرحلة سابقة، اعتبر دوغين صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض نقطة تحول تاريخية. فقد رأى في خطاب ترامب المناهض للعولمة، وانتقاده لاتفاقيات التجارة الدولية، وتشكيكه في دور حلف شمال الأطلسي، مؤشرات على بداية تفكك النظام الليبرالي الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة.

لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلًا. فبعد تورط سلاح الجو الأميركي في الهجوم على منشآت نووية داخل إيران في يونيو الماضي، خلص دوغين إلى أن موسكو لم تعد قادرة على التعويل على ترامب كشريك محتمل في تغيير النظام العالمي. وذهب إلى حد الإعلان بأن "الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل"، في تعبير يعكس حجم القلق الذي يسيطر على بعض دوائر الفكر القومي في روسيا.

ومع اقتراب الانتخابات الأميركية الجديدة، صعّد دوغين من انتقاداته، معتبرًا أن ترامب أصبح أسيرًا للضغوط الصهيونية، بحسب تعبيره، وأن روسيا يجب أن تستعد لمواجهة كبرى قد تصل إلى مستوى "حرب يوم القيامة". وفي تصريحات أخرى، حذر من أن سقوط إيران سيجعل روسيا الهدف التالي في المواجهة مع الغرب.

خطاب نهاية العالم

لا تقتصر أهمية أفكار دوغين على تأثيرها داخل روسيا، بل تمتد إلى بعض تيارات اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، التي تتبنى رؤيته للصراع العالمي باعتباره مواجهة بين "الصحوة القومية" و"النخب العالمية".

ويستخدم دوغين لغة رمزية كثيفة، تجمع بين السياسة والدين والأساطير التاريخية. ففي أحد المؤتمرات التي عقدت عبر الإنترنت مؤخرًا، تحدث عن اقتراب العالم من "حرب ميتافيزيقية"، مشيرًا إلى أن احتمال استخدام السلاح النووي لم يعد فكرة نظرية، بل احتمالًا واقعيًا في عالم يتجه نحو صدامات غير مسبوقة.

البعد الديني للصراع

في تحليلاته، يذهب دوغين إلى أن الصراع في الشرق الأوسط لم يعد مجرد تنافس جيوسياسي، بل أصبح يحمل أبعادًا لاهوتية عميقة. ففي مقابلة مع قناة "برس تي في" الإيرانية، اعتبر أن الهجوم الإسرائيلي على إيران يمثل جزءًا من مشروع صهيوني أوسع يسعى إلى تحقيق فكرة "إسرائيل الكبرى"، التي يرى أنها تصطدم مباشرة مع النفوذ الإيراني في المنطقة.

كما يصف الصهيونية السياسية بأنها تحوّلت إلى شكل من أشكال "المسيحانية السياسية"، التي تستبدل الانتظار الديني التقليدي للمسيح بفكرة قومية تسعى إلى تحقيق نبوءات تاريخية عبر القوة العسكرية.

وفي تصريحات أخرى لوسائل إعلام روسية، ذهب دوغين إلى أبعد من ذلك، متحدثًا عن احتمال تفجير المسجد الأقصى وبناء "الهيكل الثالث" مكانه، وهو سيناريو يرى أنه قد يشعل مواجهة دينية واسعة النطاق.

أخرويات متقابلة

في المقابل، يشير دوغين إلى أن الفكر السياسي في إيران يحمل بدوره أبعادًا دينية أخروية، مرتبطة بعقيدة انتظار ظهور الإمام المهدي، الذي سيهزم قوى الشر في نهاية الزمان. ووفق هذه القراءة، تتحول إسرائيل والغرب إلى خصم ميتافيزيقي في المخيال السياسي لبعض التيارات الإيرانية.

بهذا المعنى، يرى دوغين أن الصراع الحالي قد يتحول إلى مواجهة بين رؤيتين متعارضتين لنهاية العالم: الأولى مستندة إلى تصورات مسيحانية لدى بعض التيارات الصهيونية والإنجيلية في الولايات المتحدة، والثانية مرتبطة بالتفسيرات الشيعية لظهور الإمام الغائب.

عالم بلا قواعد

يخلص دوغين إلى أن العالم دخل مرحلة لم تعد التفسيرات التقليدية للجغرافيا السياسية قادرة على فهمها. فالقانون الدولي والمؤسسات العالمية، بحسب رأيه، يفقدان تدريجيًا قدرتهم على ضبط الصراعات، بينما تتقدم إلى الواجهة تحالفات جديدة تمتزج فيها السياسة بالدين والأساطير التاريخية.

ويرى أن ما نشهده اليوم هو اندماج غير مسبوق بين العقائد الدينية القديمة وحساسية ما بعد الحداثة، ما يخلق واقعًا جديدًا تتداخل فيه الأبعاد اللاهوتية والأسطورية مع الحسابات الاستراتيجية.

سؤال اللحظة

ربما كان من السهل في الماضي التعامل مع هذه التفسيرات بوصفها مبالغات فكرية أو خطابًا أيديولوجيًا متطرفًا. لكن مع تصاعد التوترات العالمية، واتساع رقعة الصراعات، يطرح سؤال مقلق نفسه بإلحاح:
هل ما نشهده اليوم مجرد أزمة جيوسياسية أخرى، أم أن العالم يقف بالفعل على أعتاب صراع أكبر، قد يتحول إلى مواجهة دينية عابرة للحدود؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تزال غامضة، لكن المؤكد أن الخط الفاصل بين السياسة والعقيدة أصبح أكثر ضبابية من أي وقت مضى، في عالم يبدو أنه يقترب تدريجيًا من لحظة اختبار تاريخية.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

بين الصواريخ والنبوءات: هل يقود الصراع مع إيران إلى حرب عالمية دينية؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°