يعيش قطاع غزة اليوم واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية على مستوى العالم، حيث يواجه السكان مفارقة اقتصادية قاسية تضع مستقبل التنمية على المحك؛ ففي الوقت الذي تتدفق فيه المعونات الإنسانية لإنقاذ المواطنين من كوارث غير مسبوقة، يسجل الاقتصاد المحلي تراجعاً حاداً جعل من "الإغاثة" المحرك الأساسي والوحيد للحياة اليومية.
ويرى أ.د. سمير مصطفى أبو مدلله، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة وعضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة القطاع على استعادة أنفاسه الاقتصادية وبناء منظومة قادرة على الاستمرار بعيداً عن الارتهان للمعونات المؤقتة التي باتت تشكل العمود الفقري لنحو 2.3 مليون فلسطيني.
واقع الانهيار وأرقام الكارثة
لقد تسببت الحرب الأخيرة في انهيار شامل وغير مسبوق لكل المقومات الحيوية في غزة، حيث تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن معدلات البطالة تجاوزت حاجز 80%، وهو ما يعد من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً، في حين بات أكثر من 85% من السكان يرزحون تحت خط الفقر المدقع.
وفي هذا السياق، يوضح د. سمير أبو مدلله أن الدمار الذي طال أكثر من 70% من المنشآت والمساكن، وتدمير آلاف المصانع والورش والمنشآت الزراعية، أدى إلى شلل كامل في الدورة الإنتاجية. وتقدر الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 30 مليار دولار، بينما تتصاعد تكلفة إعادة الإعمار لتصل إلى ما بين 50 و70 مليار دولار، مما يجعل عملية التعافي واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في تاريخ الصراعات الحديثة.
انهيار الهامش الإنتاجي الضيق
قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان اقتصاد قطاع غزة يعاني بالفعل من ضغوط هائلة نتيجة سنوات الحصار الطويلة، إلا أنه كان يحتفظ بحد أدنى من النشاط والإنتاج؛ حيث بلغت البطالة آنذاك 45% وكان نحو 60% من السكان يعتمدون على المعونات، ويشير د. سمير أبو مدلله إلى أن الحرب الراهنة قد محت هذا الهامش الإنتاجي تماماً، حيث توقفت آلاف المنشآت الصغيرة والمتوسطة عن العمل، وانهارت البنية التحتية من شبكات كهرباء ومياه وطرق، هذا التحول الدراماتيكي نقل غزة من "اقتصاد هش تحت الحصار" إلى "اقتصاد طوارئ" يعتمد بنسبة 90% على الإغاثة الدولية لتأمين أدنى متطلبات البقاء، وهو نمط يخشى الخبراء من تحوله إلى استهلاك دائم يفتقر لروح الإنتاج.
مخاطر "اقتصاد الحرب" والطفيلية
يترافق اقتصاد الإغاثة طويل الأمد مع بروز ظواهر سلبية تزيد من معاناة المجتمع، ومن أبرزها ما يسمى بـ "اقتصاد الحرب"؛ حيث تظهر شبكات من الوسطاء الذين يستغلون حاجة الناس لتحقيق أرباح فاحشة عبر الاحتكار أو التلاعب بالأسعار، ويؤكد أبو مدلله أن ضعف الرقابة وتدهور المؤسسات الرقابية في ظل الأزمة، يسمح بنمو أنماط اقتصادية طفيلية تستفيد من استمرار الوضع الراهن بدلاً من السعي لإنهاء الأزمة. هذه الفجوة الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة تعيق جهود التعافي وتجعل من الصعب إعادة بناء سوق محلي صحي يقوم على المنافسة العادلة والإنتاج الحقيقي الذي يخدم الصالح العام.
الجسر نحو الإنتاج المستدام
رغم أن المساعدات تظل ضرورة أخلاقية وإنسانية لا غنى عنها في الوقت الراهن، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويلها من "مسكنات مؤقتة" إلى "جسر للتعافي". ويقترح د. سمير أبو مدلله ضرورة تبني سياسات اقتصادية تربط العمل الإغاثي ببرامج التعافي المبكر، من خلال دعم المشروعات الصغيرة، وإعادة تأهيل الورش والمصانع، وتشجيع الإنتاج الزراعي المحلي وإن إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد تتطلب فتح المعابر التجارية وتسهيل دخول المواد الخام، مما يسمح بإعادة بناء دورة مالية داخلية تقلل من الاعتماد الكلي على المنح الخارجية، وتمنح الشباب والعمال فرصاً حقيقية لاستعادة كرامتهم عبر العمل.
إعادة الإعمار كاستثمار في الاستقرار
إن الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى الإعمار يمثل حجر الأساس في استعادة الأمل لسكان القطاع، حيث يشدد د. سمير أبو مدلله على أن البدء في إعادة بناء البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية ليس مجرد استجابة إنسانية، بل هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ، فإذا ظل اقتصاد غزة محصوراً في دائرة الإغاثة دون مسار تنموي حقيقي، فإن ذلك سيؤدي إلى ترسيخ نموذج اقتصادي هش يعتمد كلياً على الخارج، مما يضعف القدرة على التعافي الذاتي. إن الشعوب لا تبني مستقبلها بالمعونات بل بالاستثمار والإنتاج، وغزة التي عُرفت تاريخياً بحيويتها وقدرتها على الصمود، قادرة على النهوض مجدداً إذا ما تحولت الإغاثة إلى قوة دافعة للتنمية بدلاً من أن تكون بديلاً عنها.










