ذكرت صحيفة الإندبندنت، في مقال تحليلي للكاتب أمير كوتيشا، أن الحرب الجارية مع إيران بدأت تكشف تحولًا واضحًا في صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالرجل الذي وصل إلى البيت الأبيض على أساس وعود بتجنب الحروب الطويلة في الخارج، يبدو اليوم مختلفًا عن الرئيس الذي انتخبه ملايين الأمريكيين قبل أعوام.
ويرى الكاتب أن الصراع الجاري في الشرق الأوسط يعيد رسم ملامح رئاسة ترامب، إذ يضعه في موقع قائد حرب خارجية واسعة، وهو الدور الذي تعهد سابقًا بتجنبه. ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، أصبحت قراراته العسكرية والسياسية موضع تدقيق متزايد داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ويضيف المقال أن هذا التحول يعكس التناقض القديم في خطاب ترامب السياسي، بين دعوته إلى تقليل التدخلات الخارجية من جهة، واستعداده لاستخدام القوة العسكرية عندما يرى أن المصالح الأمريكية مهددة من جهة أخرى.
خطاب النصر المبكر
مع تقدم العمليات العسكرية، تحدث ترامب بنبرة واثقة عن نتائج الحرب، مؤكدًا أن إيران تكبدت خسائر عسكرية كبيرة خلال الأيام الأولى من القتال.
وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن طهران فقدت قدرًا كبيرًا من قدراتها البحرية والجوية، إضافة إلى تدمير أجزاء واسعة من منظومات الدفاع الجوي والرادارات. كما تحدث عن مقتل عدد من القادة العسكريين الإيرانيين، معتبرًا أن النظام الإيراني "يدفع ثمنًا باهظًا" بعد عقود من إلحاق الضرر بالعالم.
لكن الكاتب يحذر من أن هذه الصورة المتفائلة قد تخفي وراءها مخاطر حقيقية. فالحروب غالبًا ما تبدأ بخطابات انتصار مبكرة، قبل أن تتكشف تعقيدات الواقع العسكري والسياسي على الأرض.
مخاطر فقدان السيطرة
يرى المقال أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال خروج الحرب عن سيطرة ترامب. فالتطورات الميدانية قد تفرض مسارًا لا يتوافق مع الرواية التي يحاول الرئيس الأمريكي ترسيخها حول تحقيق انتصار سريع وحاسم.
ويشير الكاتب إلى أن أي تصعيد غير محسوب قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع أطول مما توقعه البيت الأبيض، وهو ما قد يقوض الصورة التي يسعى ترامب إلى تقديمها عن حرب محدودة سريعة النتائج.
وفي هذه الحالة، قد يتحول النجاح العسكري الأولي إلى عبء سياسي، إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة أطول أو توسعت رقعتها الجغرافية.
إرث السياسة الخارجية
يذهب الكاتب إلى أن الحرب الحالية قد تكون أضرت بالفعل بإرث ترامب في السياسة الخارجية، خصوصًا صورته كرئيس يسعى إلى إنهاء ما كان يصفه بالحروب التي لا تنتهي.
فمنذ حملته الانتخابية الأولى، قدم ترامب نفسه بوصفه رئيسًا يركز على الداخل الأمريكي، ويرفض التورط في مغامرات عسكرية خارجية تستنزف الموارد الأمريكية.
لكن الحرب مع إيران تكشف، بحسب المقال، عن تناقض مستمر في رؤيته السياسية. فالشعار الذي رفعه حول إعطاء الأولوية للمصالح الداخلية الأمريكية يتعارض أحيانًا مع استعداده لاستخدام القوة العسكرية خارج الحدود.
حسابات الاقتصاد
يوضح الكاتب أن السياسة الخارجية لترامب كانت غالبًا مرتبطة بتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية للولايات المتحدة، سواء عبر الاتفاقات التجارية أو عبر الضغوط الاقتصادية على الدول المنافسة.
لكن الحرب الحالية تبدو مختلفة، إذ تحمل مخاطر اقتصادية واضحة دون أن تظهر حتى الآن مكاسب مباشرة يمكن لواشنطن تحقيقها.
فالتوتر العسكري في الشرق الأوسط أدى إلى اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وهو ما يثير مخاوف داخل الولايات المتحدة من تداعيات اقتصادية قد تنعكس على الداخل الأمريكي.
اختبار القاعدة السياسية
يرى المقال أن التحدي الأكبر الذي يواجه ترامب لا يأتي من القدرات العسكرية الإيرانية بقدر ما يأتي من داخل قاعدته السياسية نفسها.
فجزء كبير من أنصار الرئيس الأمريكي يتوقعون منه التركيز على القضايا الداخلية مثل الاقتصاد والهجرة والبنية التحتية، بدلاً من الانخراط في صراعات عسكرية خارجية.
ولهذا فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يضع ترامب في مواجهة تساؤلات صعبة من قاعدته الانتخابية حول جدوى هذا الصراع.
تباين داخل الإدارة
يسلط الكاتب الضوء على مواقف بعض الشخصيات البارزة داخل الإدارة الأمريكية، مشيرًا إلى أن نائب الرئيس جي دي فانس معروف بتشكيكه في التدخلات العسكرية الخارجية.
ويبدو، بحسب المقال، أن حماسة فانس للحرب أقل من حماسة الرئيس نفسه، وهو ما يعكس وجود تباينات داخل القيادة السياسية الأمريكية بشأن إدارة الصراع.
ويشير الكاتب إلى أن هذه التباينات قد تصبح أكثر وضوحًا إذا استمرت الحرب لفترة أطول أو ارتفعت تكلفتها البشرية والاقتصادية.
السعي إلى نصر سريع
مع ذلك، يعتقد الكاتب أن ترامب سيحاول تحقيق انتصار سريع يسمح له بإنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن.
وقد لا يتطلب هذا الانتصار إسقاط النظام الإيراني بالكامل، بل قد يكتفي البيت الأبيض بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتقليص برنامجها النووي، ثم إعلان انتهاء العمليات العسكرية.
وبهذه الطريقة، يمكن للرئيس الأمريكي أن يقدم الحرب على أنها نجاح عسكري محدود دون الانزلاق إلى صراع طويل.
تأثير الرد الإيراني
يشير المقال أيضًا إلى أن الرد العسكري الإيراني، رغم مخاطره، ساهم في توحيد مواقف عدد من دول الشرق الأوسط ضد طهران.
فالهجمات التي استهدفت إسرائيل وبعض مناطق الخليج دفعت عدة دول في المنطقة إلى اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه إيران، وهو ما قد يمنح واشنطن هامشًا سياسيًا أوسع للتحرك.
لكن هذا التطور يحمل في الوقت نفسه مخاطر توسيع نطاق الصراع إذا استمرت الهجمات المتبادلة.
خطر الحرب الطويلة
يختتم الكاتب مقاله بالتحذير من أن أكبر خطر يواجه ترامب يتمثل في احتمال عجزه عن إنهاء الحرب في الوقت الذي يريده. فالحروب لا تسير دائمًا وفق الخطط السياسية المرسومة مسبقًا، وغالبًا ما تفرض الوقائع العسكرية مسارًا مختلفًا عن التوقعات.
وفي ظل استمرار الهجمات الإيرانية على إسرائيل ومنشآت في الخليج، قد يجد الرئيس الأمريكي نفسه أمام صراع أطول وأكثر تعقيدًا مما كان يتوقع.
وفي هذه الحالة، قد يواجه ترامب ثمنًا سياسيًا كبيرًا داخل قاعدته الانتخابية، حتى لو حاول تبرير قراره بالحرب باعتباره دفاعًا عن الأمن القومي ووضعه فوق الحسابات السياسية الضيقة.









