يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نفسه اليوم أمام خيار وحيد يتمثل في التزام الحياد والإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وذلك في ظل مشهد اقتصادي عالمي شديد التعقيد فرضته الحرب الإيرانية وتداعياتها المباشرة على أسعار الطاقة، وتشير التقديرات إلى أن لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية ستبقي على سعر الفائدة الرئيسي ضمن النطاق المستهدف الحالي بين 3.5% و3.75%، مع تلاشي احتمالات الخفض في القريب العاجل.
حيث يتعين على جيروم باول وزملائه الموازنة بين ضغوط تضخمية ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، وبين مؤشرات ضعف بدأت تظهر في سوق العمل الأمريكية، هذا المزيج المتناقض يجعل من الصعب اتخاذ أي خطوة نحو التيسير النقدي، بل إن الأسواق بدأت ولأول مرة منذ سنوات تضع في حساباتها احتمالية رفع الفائدة لكبح جماح التضخم المتصاعد.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه باول في هذا الاجتماع هو صياغة رسالة طمأنة للأسواق في ظل "حرب إيرانية" أحدثت تحولاً جذرياً في توقعات تكاليف الاقتراض، فبينما كان المتداولون يأملون في خفض الفائدة لدعم سوق العمل المتعثر، أدت القفزات في أسعار الطاقة إلى إعادة شبح التضخم بقوة.
ووفقاً لمؤشر احتمالات السوق الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، بلغت احتمالية رفع الفائدة 25% مقابل 20% فقط لخفضها، وهو انقلاب درامي مقارنة بما قبل اندلاع الحرب، ويرى المحللون أن قدرة باول على توجيه المستثمرين تعتمد على مدى تعبيره عن إجماع اللجنة وليس آراءه الشخصية، خاصة وأن هذا الاجتماع يعد قبل الأخير له في منصبه، مما يضيف صبغة من الحذر على كل كلمة ينطق بها.
تأثيرات الطاقة ومستقبل التضخم
أدت الحرب الإيرانية إلى إشعال أسعار النفط، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لهدف التضخم البالغ 2% الذي يسعى الفيدرالي لتحقيقه، وصرح نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق، روجر فيرغسون، بأن اللجنة يجب أن تظل "حذرة" في بيانها اللاحق للاجتماع، معرباً عن قلقه من ابتعاد الفيدرالي عن هدف التضخم لسنوات، وتتجه الأنظار الآن إلى كيفية مفاضلة اللجنة بين حماية الوظائف والسيطرة على الأسعار، ففي الوقت الذي تضغط فيه تكاليف الطاقة نحو الأعلى، تظهر سوق العمل مؤشرات ضعف قد تستوجب التدخل، ومع ذلك، تشير أسعار العقود الآجلة إلى أن صانعي السياسة لن ينظروا في أي تيسير نقدي قبل شهر سبتمبر المقبل على الأقل، وربما يتأجل ذلك إلى أكتوبر، وبخفض واحد فقط لا يتجاوز 0.25% هذا العام.
وتشير التقارير الاقتصادية الصادرة اليوم إلى أن "صدمات النفط" لم تعد مجرد ضجيج عابر يمكن لمسؤولي الفيدرالي تجاهله كما في السابق، بل أصبحت محركاً أساسياً للسياسة النقدية.
ويؤكد استراتيجيون في شركة راسل للاستثمارات أن الوضع القوي للاقتصاد الأمريكي بشكل عام قد يكون هو السبب في تأخير خفض الفائدة، حيث لا يزال النمو قادراً على تحمل مستويات الفائدة الحالية، لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً في أذهان الجميع: إلى أي مدى يمكن للفيدرالي الاستمرار في سياسة "التثبيت" إذا استمرت نيران الحرب في رفع الأسعار عالمياً؟.










