مع اقتراب حلول عيد الفطر، يدخل أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة هذه المناسبة الدينية تحت وطأة واقع إنساني يُوصف بأنه من بين الأسوأ في التاريخ الحديث، حيث تتقاطع آثار الحرب مع تداعيات الحصار المستمر، لتنتج مشهداً بالغ القسوة يُفرغ العيد من مضمونه الإنساني والروحي. فبدلاً من أن يكون العيد مساحة للفرح والتكافل، يتحول إلى محطة إضافية لتجديد الألم، في ظل انهيار شبه كامل لمقومات الحياة الأساسية، من غذاء ومياه صالحة للشرب، إلى خدمات صحية عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.
وتشير المعطيات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن هذا الواقع لا يأتي بمعزل عن سياسة ممنهجة تُعمّق من معاناة السكان، حيث يتزامن النقص الحاد في الموارد الأساسية مع استمرار النزوح القسري وغياب أي مظاهر للحياة الطبيعية. فالأسر الفلسطينية، التي فقدت منازلها أو مصادر دخلها، تجد نفسها عاجزة حتى عن توفير مستلزمات العيد لأطفالها، في مشهد يعكس حجم الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، ويؤكد أن ما يجري يتجاوز كونه أزمة إنسانية عابرة، ليصل إلى مستوى كارثة مركبة ذات أبعاد سياسية واضحة.
غزة وهدنة منتهكة
وفقاً لبيان المكتب الإعلامي الحكومي بقطاع غزة، فإن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم فعلياً باتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، حيث سُجلت خروقات يومية امتدت على مدار 158 يوماً حتى 18 مارس 2026. وتُظهر الأرقام أن هذه الخروقات لم تكن حوادث فردية أو معزولة، بل جاءت في سياق منهجي يعكس رغبة واضحة في تقويض الاتفاق وإفراغه من مضمونه.
وقد بلغ إجمالي هذه الخروقات 2,073 انتهاكاً، توزعت بين إطلاق نار مباشر، وتوغلات عسكرية داخل الأحياء السكنية، وقصف جوي ومدفعي، إلى جانب عمليات نسف للمنازل والمنشآت. ويعكس هذا التوزيع طبيعة الاستهداف الذي يطال بشكل مباشر البيئة المدنية في غزة، ما يشير إلى استمرار النهج العسكري ذاته رغم الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار، في تناقض واضح مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
حصيلة بشرية ثقيلة
تكشف البيانات، بحسب التقرير الرقمي الصادر عن الجهات الحكومية المختصة، عن حصيلة بشرية تعكس حجم الكارثة الناجمة عن هذه الخروقات. فقد بلغ عدد الشهداء 677 شهيداً، يشكل الأطفال والنساء وكبار السن منهم 305، في حين تشير المعطيات إلى أن 99% من الضحايا هم من المدنيين، وهو رقم يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الأهداف التي يتم استهدافها.
أما على صعيد الإصابات، فقد سُجل 1,813 جريحاً، من بينهم أكثر من 998 من الفئات الأكثر هشاشة، مع تأكيد أن جميع الإصابات وقعت داخل الأحياء السكنية وبعيداً عن ما يُعرف بالخط الأصفر، ما يعزز الرواية التي تشير إلى أن المناطق المدنية لم تكن بمنأى عن الاستهداف. كما تم تسجيل 50 حالة اعتقال، جميعها من داخل المناطق السكنية، وهو ما يعكس امتداد الانتهاكات لتشمل عمليات احتجاز خارج سياق المواجهات المباشرة.
معبر مقيد
فيما يتعلق بحركة السفر، يوضح البيان أن تشغيل معبر رفح البري خلال شهر فبراير 2026 جاء محدوداً ودون المستوى المتفق عليه، حيث بلغ إجمالي عدد المسافرين 1,934 فقط، من أصل 5,400 كان يُفترض سفرهم خلال الفترة نفسها، أي بنسبة لا تتجاوز 35%. ويشمل هذا العدد مرضى ومرافقيهم بشكل أساسي، ما يعكس القيود المفروضة على حرية الحركة، خصوصاً للحالات الإنسانية التي تعتمد على السفر لتلقي العلاج.
ويشير هذا الواقع إلى أن المعبر، الذي يُفترض أن يكون شريان حياة لسكان قطاع غزة، لا يزال خاضعاً لاعتبارات سياسية وأمنية تُقيّد دوره الإنساني، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أوضاع المرضى والجرحى، ويُفاقم من معاناتهم في ظل تدهور القطاع الصحي داخل غزة.
مساعدات ناقصة
على صعيد المساعدات، تكشف الأرقام عن فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية وما تم إدخاله إلى قطاع غزة، حيث بلغ إجمالي الشاحنات التي دخلت 38,358 شاحنة، من أصل 94,800 شاحنة كان من المفترض دخولها، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 40%. وتشمل هذه الشاحنات مساعدات إنسانية ومواد تجارية وكميات محدودة من الوقود.
وتبرز أزمة الوقود بشكل خاص، حيث لم يدخل سوى 1,171 شاحنة من أصل 7,900، أي بنسبة 14% فقط، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تشغيل المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي. ويؤكد البيان أن البروتوكول الإنساني ينص على دخول 600 شاحنة يومياً، بينها 50 شاحنة وقود، وهو ما لم يتم الالتزام به، ما يعمّق من أزمة الخدمات الأساسية ويُهدد بانهيارها الكامل.
التزامات غائبة
ويعدد البيان جملة من الالتزامات التي لم يتم تنفيذها، رغم النص عليها في الاتفاق، من بينها إدخال المعدات اللازمة لإعادة إعمار البنية التحتية، وتوفير الآليات الثقيلة لرفع الأنقاض وانتشال جثامين الضحايا، إلى جانب إدخال المستلزمات الطبية والأدوية. كما يشير إلى عدم الالتزام بفتح معبر رفح بشكل مستمر، وإغلاقه دون مبررات واضحة، فضلاً عن عدم إدخال مواد الإيواء والخيام في ظل وجود أعداد كبيرة من النازحين.
كما يشمل عدم الالتزام تشغيل محطة توليد الكهرباء، والتقيد بحدود الخط الأصفر، حيث تم تسجيل توغلات إضافية داخل قطاع غزة. ويعكس هذا مجتمِعاً، وفقاً للبيان، سياسة تهدف إلى فرض واقع إنساني قائم على الضغط والتجويع، بما يُستخدم كأداة للابتزاز السياسي، في انتهاك واضح لبنود الاتفاق والقانون الدولي.
دعوات للمساءلة
في ختام البيان، يوجّه المكتب الإعلامي الحكومي دعوة إلى الرئيس دونالد ترامب، وإلى الجهات الراعية للاتفاق، وكذلك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، لتحمل مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، والعمل على إلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ التزاماته كاملة دون انتقاص.
كما يؤكد على ضرورة ضمان حماية المدنيين، وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية والوقود بشكل فوري وآمن، وإدخال مواد الإيواء والبيوت المتنقلة، بما يساهم في التخفيف من حدة الكارثة الإنسانية المتفاقمة. وتأتي هذه الدعوات في سياق التأكيد على أن استمرار الوضع الحالي لا يمثل فقط خرقاً لاتفاق سياسي، بل يكشف أيضاً عن خلل عميق في آليات المساءلة الدولية، في ظل دعم أمريكي واضح يساهم في إطالة أمد الأزمة وتعميق آثارها منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم.










