في توقيت بالغ الحساسية، كشف تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن استخدام الولايات المتحدة لصواريخ باليستية متطورة في الساعات الأولى من اندلاع المواجهة مع إيران، في خطوة تمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة العمليات العسكرية. ووفقًا للتقرير، حلّقت هذه الصواريخ على ارتفاعات عالية فوق الخليج العربي قبل أن تصيب أهدافًا داخل الأراضي الإيرانية بدقة لافتة، في أول استخدام فعلي لهذا النوع من الأسلحة المتقدمة منذ نحو عامين.
هذا التطور لا يعكس مجرد تصعيد عسكري، بل يكشف عن اختبار ميداني لقدرات صاروخية جديدة جرى تطويرها بعيدًا عن الأضواء، في إطار استعدادات أوسع لحروب كبرى محتملة، وهو ما يمنح توقيت الكشف عن هذه المعلومات أبعادًا سياسية وعسكرية تتجاوز ساحة المواجهة المباشرة.
ضربات متعددة الاتجاه
لم تتوقف العمليات عند الضربة الأولى، بل أعقبها وابل كثيف من الصواريخ عالية الدقة، من بينها صواريخ “أتاكمز”، التي استهدفت مواقع بحرية إيرانية. وبحسب تصريحات الجنرال دان كين، فإن هذه الضربات أدت إلى إغراق سفن حربية وإصابة غواصة داخل أحد الموانئ، واصفًا العملية بأنها “صنعت التاريخ”.
في المقابل، اتهمت إيران الولايات المتحدة باستخدام صواريخ أرضية لضرب جزيرة خارك، وهي منشأة استراتيجية لمعالجة النفط. ويكشف هذا التبادل في الاتهامات عن اتساع نطاق الأهداف، ليشمل البنية الاقتصادية الحيوية، وليس فقط الأهداف العسكرية التقليدية.
الصواريخ الأرضية تظهر في إيران
يعكس هذا التصعيد اعتمادًا متزايدًا من قبل البنتاغون على أنظمة الصواريخ الأرضية، خاصة تلك التي تُطلق من منصات متنقلة مثل نظام “هيمارس”، الذي يتميز بقدرته على الإطلاق السريع ثم تغيير موقعه لتفادي الاستهداف، وهو ما يجعله أكثر فاعلية في بيئة الحروب الحديثة التي تهيمن عليها الطائرات المسيّرة.
ورغم أن الصراع يوصف في معظمه كحرب جوية، فإن إدخال هذه الأنظمة يضيف بُعدًا جديدًا، حيث باتت الضربات الأرضية الدقيقة عنصرًا حاسمًا في تكتيكات الهجوم، بما يسمح بتشتيت قدرات الدفاع الإيرانية وإرباك منظوماتها.
تحول في العقيدة
هذا الاستخدام المكثف للصواريخ يعكس تحولًا أوسع في العقيدة العسكرية الأمريكية، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من التركيز على حروب مكافحة التمرد — كما في العراق وأفغانستان — إلى إعادة بناء قدراتها لمواجهة قوى كبرى مثل الصين.
ويؤكد هذا التحول أن ما يجري في المنطقة ليس مجرد مواجهة محدودة، بل جزء من إعادة تشكيل شاملة لاستراتيجية الحرب الأمريكية، حيث تُستخدم هذه الصراعات كمساحات اختبار حقيقية للأسلحة والتكتيكات.
من أين أُطلقت؟
تشير التقديرات إلى أن مدى هذه الصواريخ، الذي يتراوح بين 200 و300 ميل، يعني أنها أُطلقت على الأرجح من أراضي دول خليجية. ورغم أن هذه الدول لم تعلن رسميًا السماح باستخدام أراضيها، فإن التقرير يضعها في موقع بالغ الحساسية بين دعم واشنطن عسكريًا ومحاولة الحفاظ على موقف معلن بالحياد.
ويكشف هذا الوضع عن معادلة معقدة، حيث تسير هذه الدول على خط دقيق بين التورط غير المعلن في العمليات العسكرية، وتجنب ردود الفعل الإيرانية المباشرة.
يرى الباحث أليكس فاتانكا أن دول الخليج قد تكون أكثر استعدادًا للمخاطرة إذا شعرت بإمكانية حسم الصراع، لكنها في الوقت نفسه لن ترفض طلبًا أمريكيًا خلال حرب مفتوحة. ويعكس هذا الطرح طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين هذه الدول وواشنطن، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الضغوط السياسية.
أسلحة تفوق الصوت
تتميز هذه الصواريخ بسرعات تفوق سرعة الصوت ودقة عالية بفضل أنظمة التوجيه عبر الأقمار الصناعية، وهي من تطوير شركة لوكهيد مارتن. كما يجري العمل على تطوير نسخ أكثر تقدمًا قادرة على ضرب أهداف متحركة في البحر، إلى جانب صواريخ فرط صوتية يتجاوز مداها 1000 ميل.
هذا التطور التكنولوجي يعكس سباق تسلح متسارع، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى امتلاك تفوق نوعي في أي مواجهة مستقبلية، سواء في الشرق الأوسط أو في آسيا.
تنسيق معقد
يعتمد الهجوم على تنسيق معقد بين أنواع مختلفة من الأسلحة، حيث تُستخدم الصواريخ لضرب الأهداف الثابتة وإضعاف الدفاعات، بينما تتولى الطائرات المقاتلة استهداف الأهداف المتحركة، وتتكفل القاذفات الثقيلة بضرب المواقع المحصنة.
ووفقًا للجنرال السابق فرانك ماكنزي، فإن هذا النوع من العمليات جرى التخطيط له منذ فترة طويلة، ما يشير إلى أن ما يحدث ليس رد فعل طارئ، بل تنفيذ لخطة معدة مسبقًا.
اختبار ميداني
يرى الباحث توماس كاراكو أن استخدام هذه الصواريخ في وقت مبكر من الحرب يمثل اختبارًا عمليًا لأنظمة جديدة مثل “بريسيجن سترايك”، التي تتمتع بمدى أطول من سابقاتها.
كما كشف تقرير صادر عام 2025 عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية أن البنتاغون سرّع نشر هذه الأنظمة عبر تقليص بعض مراحل الاختبار، وهو ما يعني احتمال اكتشاف عيوب خلال الاستخدام الفعلي.
اتهامات متبادلة
اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة باستخدام منصات “هيمارس” لإطلاق صواريخ من الإمارات نحو جزيرة خارك، في حين لم يصدر رد رسمي مباشر على هذه الاتهامات.
كما أظهرت مقاطع فيديو تحققت منها شركة Storyful أن بعض عمليات الإطلاق قد تكون جرت من البحرين، بينما رفضت القيادة المركزية الأمريكية الكشف عن مصدر الصواريخ، ما يعزز حالة الغموض المتعمد حول مسرح العمليات.
تدمير الأسطول
بحسب مسؤولين أمريكيين، تعرض أكثر من 100 سفينة إيرانية للتدمير أو الضرر، من بينها سفن حربية وكاسحات ألغام، إضافة إلى حاملة طائرات مسيّرة. ويشير ذلك إلى أن أحد الأهداف الرئيسية كان تحييد القدرات البحرية الإيرانية في المراحل المبكرة من الصراع.
كما يوضح هذا الاستهداف تركيزًا خاصًا على الزوارق السريعة التي تستخدمها إيران في تكتيكات الإزعاج البحري، ما يعكس سعيًا أمريكيًا لفرض سيطرة بحرية سريعة.
رسالة إلى الصين
لا يقتصر الهدف على إيران وحدها، إذ يرى مسؤولون أن استعراض هذه القدرات الصاروخية يحمل رسالة مباشرة إلى الصين، مفادها أن الولايات المتحدة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات بعيدة باستخدام منصات متنقلة.
وفي هذا السياق، تُعد هذه العمليات نموذجًا لما قد يحدث في حال اندلاع مواجهة في المحيط الهادئ، خاصة في مناطق حساسة مثل مضيق تايوان، حيث يمكن للصواريخ الأمريكية المنتشرة في الجزر أن تعيق أي تحرك عسكري صيني.
ما وراء المشهد
تكشف هذه المعطيات أن الصراع يتجاوز كونه مواجهة إقليمية، ليصبح جزءًا من إعادة رسم موازين القوة العالمية. فبينما تُستخدم إيران كساحة اختبار، تُرسل الرسائل الحقيقية إلى قوى كبرى أخرى، في مقدمتها الصين.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الحروب المباشرة مع الحسابات الاستراتيجية الكبرى، وتتحول الجغرافيا إلى منصة لإدارة صراعات دولية تتجاوز حدودها بكثير.










