صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة اعتداءاتها الممنهجة ضد الأرض والإنسان في الضفة الغربية المحتلة، حيث شهدت قرية "عين يبرود" الواقعة إلى الشرق من مدينة رام الله، عصر اليوم الخميس، عملية تجريف واسعة النطاق استهدفت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية التي تمثل سلة غذاء ومصدر رزق وحيد لعشرات العائلات الفلسطينية.
وأفادت مصادر محلية من داخل القرية بأن قوة عسكرية كبيرة، معززة بجرافة من الحجم الثقيل، اقتحمت المنطقة الشرقية من القرية، وتمركزت بالقرب من شارع رقم 60 الالتفافي الذي يسلكه المستوطنون، وشرعت دون سابق إنذار بأعمال تجريف وتخريب طالت نحو 20 دونماً من الأراضي المستصلحة زراعياً.
هذه العملية لم تكتفِ بتغيير معالم الأرض الجغرافية، بل امتدت لتشمل اقتلاع عشرات أشجار الزيتون المعمرة التي تشكل رمزاً للصمود الفلسطيني وارتباط المواطن بأرضه التاريخية، في خطوة يراها أهالي القرية محاولة صريحة لتوسيع السيطرة الأمنية على جنبات الشوارع الالتفافية وتوفير مساحات عازلة تخدم المشاريع الاستيطانية التوسعية في المنطقة على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة.
تغول الاستيطان وتحليلات هيئة مقاومة الجدار
تأتي هذه الجريمة الميدانية في "عين يبرود" كجزء بسيط من صورة أشمل وأكثر قتامة لواقع الانتهاكات في الضفة الغربية، حيث كشفت أحدث البيانات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، التابعة للسلطة الفلسطينية، عن أرقام مرعبة تعكس حجم الهجمة الشرسة التي يقودها تحالف الجيش والمستوطنين.
وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد سجل شهر شباط/فبراير الماضي وحده تنفيذ 1965 اعتداءً مباشراً، تنوعت بين الهجمات الجسدية العنيفة واقتلاع الأشجار وحرق الحقول الزراعية، وصولاً إلى الاستيلاء بقوة السلاح على الممتلكات الخاصة وهدم المنازل والمنشآت الزراعية الحيوية.
هذا الارتفاع القياسي في عدد الانتهاكات يؤكد وجود ضوء أخضر سياسي من حكومة الاحتلال للمستوطنين والجيش لفرض واقع جديد على الأرض وتغيير الديموغرافيا لصالح الاستيطان، مما يجعل القرى الفلسطينية المحاذية للمستوطنات والشوارع الالتفافية تعيش في حالة استنفار دائم وقلق مستمر على ممتلكاتها وأرواح أبنائها أمام آلة الدمار التي لا تتوقف عن التوسع والتهجير الصامت.
الذرائع الأمنية كأداة للسيطرة والتهجير
تمارس سلطات الاحتلال سياسة الخنق الاقتصادي والمكاني ضد الفلسطينيين عبر استخدام ذريعة "الأمن" لتبرير إغلاق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومنع المواطنين من الوصول إليها، وهو ما يمهد الطريق لاحقاً لتحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة ثم منحها للمستوطنين. إن عملية التجريف في عين يبرود، القريبة من شارع 60، تندرج ضمن هذا الإطار.
حيث يسعى الاحتلال إلى تأمين تحركات المستوطنين عبر تدمير الحقول الفلسطينية التي قد توفر سواتر طبيعية، مما يؤدي بالضرورة إلى حرمان الفلاح الفلسطيني من الاعتناء بأرضه واقتلاع شجره الذي نما عبر عقود.
إن هذا التوظيف للهاجس الأمني يهدف في جوهره إلى إحكام القبضة على الموارد الطبيعية وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية وتحويل القرى إلى معازل محاصرة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية، مما يزيد من معاناة المزارعين ويقوض صمودهم الميداني ويجبرهم على التخلي عن مهنتهم التاريخية في ظل غياب أي حماية دولية فعالة توقف هذه التعديات الصارخة على الملكيات الخاصة والقوانين الإنسانية الدولية.
التداعيات البيئية والاقتصادية لاقتلاع أشجار الزيتون
لا تقتصر آثار عمليات التجريف في رام الله على الجانب السياسي فحسب، بل تمتد لتحدث كارثة بيئية واقتصادية طويلة الأمد، فاقتلاع شجرة زيتون واحدة يعني خسارة سنوات طويلة من الرعاية والإنتاج، وتجريف 20 دونماً في "عين يبرود" يمثل ضربة قاصمة للبنية الاقتصادية المحلية للقرية. هذه الأشجار المقتلعة ليست مجرد أخشاب، بل هي جزء من التوازن البيئي في المنطقة وإرث ثقافي وزراعي يتوارثه الأجيال.
وبفعل الجرافات العسكرية تتحول هذه المساحات الخضراء إلى أراضٍ جرداء بانتظار الأسمنت الاستيطاني. ويرى مراقبون أن الصمت الدولي المطبق حيال عمليات حرق الحقول وهدم المنشآت الزراعية يشجع عصابات المستوطنين على التمادي في جرائمهم التي وصلت إلى حد الاعتداء الجسدي المباشر على المزارعين خلال موسم قطاف الزيتون أو أثناء حرث الأرض، مما يحول الصراع على الأرض إلى معركة وجودية يومية يواجه فيها المزارع الفلسطيني الأعزل جرافات وجنود مدججين بالسلاح، مدعومين بمنظومة قانونية احتلالية تشرعن السلب والنهب تحت مسميات واهية.










