20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

عيد الفطر في الضفة الغربية.. فرحة مكبلة بالقيود واقتحامات تنغص البهجة

تستقبل مدن وقرى الضفة الغربية عيد الفطر السعيد هذا العام وهي ترزح تحت وطأة واقع أمني واقتصادي هو الأصعب منذ سنوات طويلة

بقلم: محمد خميس
٢٠ مارس ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
8 مشاهدة
الاحتلال

الاحتلال

تستقبل مدن وقرى الضفة الغربية عيد الفطر السعيد هذا العام وهي ترزح تحت وطأة واقع أمني واقتصادي هو الأصعب منذ سنوات طويلة، حيث تلاشت المظاهر الاحتفالية التقليدية التي كانت تميز هذه المناسبة الدينية العظيمة، وحلت مكانها حالة من الترقب والحذر الشديدين نتيجة الاقتحامات العسكرية الإسرائيلية التي لا تتوقف ليلاً ولا نهاراً.

 إن المشهد في شوارع رام الله ونابلس والخليل وجنين يعكس بوضوح حجم المأساة، فالمحلات التجارية التي كانت تكتظ بالمتسوقين حتى ساعات الفجر الأولى باتت تغلق أبوابها مبكراً خشية المداهمات المباغتة، بينما انخفضت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل ملحوظ نتيجة الأزمات المالية المتلاحقة وتوقف صرف الرواتب بانتظام، مما جعل التحضيرات للعيد تقتصر على الضروريات الأساسية فقط، وسط غياب تام لمشاعر الفرح الغامرة التي كانت تملأ القلوب والبيوت في سنوات الخوالي، ليتحول العيد من مناسبة للاحتفال إلى محطة للصمود ومحاولة الحفاظ على الروابط الاجتماعية في وجه آلة التضييق الممنهجة.

تراجع القوة الشرائية وأسواق مثقلة بالهموم

تعاني الأسواق الفلسطينية في الضفة الغربية من حالة ركود غير مسبوقة تزامناً مع حلول عيد الفطر، حيث يشكو التجار من ضعف الإقبال على شراء الملابس والحلويات والمستلزمات الموسمية التي كانت تشكل ركيزة النشاط الاقتصادي في مثل هذه الأيام.

 إن هذا التراجع لا يعود فقط إلى نقص السيولة النقدية لدى العائلات، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية العامة التي تخيم على الشارع الفلسطيني، إذ يشعر المواطنون بغصة كبيرة وهم يتابعون أخبار الاعتقالات اليومية والشهداء الذين يرتقون في مختلف المحافظات، وهو ما دفع الكثيرين إلى العزوف عن مظاهر البهرجة والاحتفال، والاكتفاء بشراء ما يسد رمق الأطفال ويمنحهم شيئاً بسيطاً من الشعور بالعيد.

 وفي الخليل، يروي المواطن أحمد محفوظ تفاصيل هذه المعاناة مؤكداً أن العيد فقد بريقه تماماً، وأن الحركة في الأسواق باتت تفتقر إلى الروح، حيث يسود الصمت والحذر بدلاً من الأهازيج والزحام، في ظل إدراك الجميع أن أي لحظة قد تتحول إلى ساحة للمواجهة بسبب الاقتحامات العسكرية المستمرة التي تستهدف الأحياء السكنية والأسواق على حد سواء.

سياسة الخنق الأمني والحرمان من الوصول للأقصى

تعتبر الحواجز العسكرية والإغلاقات المحكمة التي يفرضها جيش الاحتلال بين مدن الضفة الغربية والقدس المحتلة من أبرز المنغصات التي تحرم الفلسطينيين من ممارسة طقوسهم الدينية والاجتماعية في العيد.

 ففي الوقت الذي يتوق فيه آلاف الفلسطينيين لشد الرحال نحو المسجد الأقصى المبارك لأداء صلاة العيد وتجديد العهد مع المدينة المقدسة، تصطدم هذه الرغبة بجدار من الإجراءات القمعية التي تمنع الشباب والرجال وحتى النساء في كثير من الأحيان من عبور الحواجز، مما يولد شعوراً عميقاً بالاستلاب والحزن. 

هذا الحرمان لا يقتصر على الجانب الديني فحسب، بل يمتد ليشمل تقطيع أواصر العائلات التي تشتت بين المحافظات، حيث يجد المواطن نفسه عاجزاً عن زيارة أقاربه في المدينة المجاورة بسبب إغلاق البوابات الحديدية أو نصب الحواجز الطيارة، مما يجعل العيد محاصراً في كانتونات ضيقة تفتقر للامتداد الجغرافي والاجتماعي الطبيعي، ويزيد من عبء العزلة التي يحاول الاحتلال فرضها كواقع دائم على سكان الضفة.

تصعيد عسكري يتعمد كسر الإرادة الفلسطينية

يرى مراقبون ومختصون في الشأن الإسرائيلي أن توقيت التصعيد العسكري في الضفة الغربية قبيل وخلال أيام العيد ليس عفوياً، بل هو نهج مدروس يهدف إلى ضرب الروح المعنوية للشعب الفلسطيني ومنع أي حالة من التماسك المجتمعي التي تبرز عادة في المناسبات الوطنية والدينية. 

إن الاقتحامات الليلية التي تنفذها قوات خاصة في مخيمات جنين وبلاطة ونور شمس، وحملات الاعتقال الواسعة التي تطال الأسرى المحررين والنشطاء، تهدف بالدرجة الأولى إلى إبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة من عدم الاستقرار الدائم، بحيث ينشغل الناس بتأمين بيوتهم وحماية أبنائهم بدلاً من التفرغ لمظاهر العيد والبهجة. 

ويؤكد المختص مؤمن مقداد أن الاحتلال يخشى من تحول التجمعات العيدية إلى منصات للتعبير عن الغضب الشعبي أو التضامن مع المقاومة، ولذلك يعمد إلى تكثيف تواجده العسكري ونشر القناصة على أسطح البنايات العالية، مما يحول شوارع المدن إلى ثكنات عسكرية تغيب عنها ملامح الحياة الطبيعية وتسيطر عليها أجواء التوتر والترقب لاندلاع مواجهات في أي لحظة.

إرهاب المستوطنين وتهديد القرى والبلدات

لا تتوقف المعاناة عند حدود إجراءات الجيش، بل تتعداها إلى هجمات المستوطنين المنظمة التي تتزايد وتيرتها في أيام الأعياد، مستهدفة القرى الفلسطينية المحاذية للمستوطنات والبؤر الرعوية. هؤلاء المستوطنون، وبحماية كاملة من جنود الاحتلال، يعمدون إلى إغلاق الطرق الالتفافية أمام مركبات الفلسطينيين، ويشنون هجمات على المنازل والممتلكات، مما يضع سكان القرى في حالة استنفار دائم لحماية عائلاتهم، وهو ما يقتل أي فرصة للاحتفال بالعيد. 

إن هذه الاعتداءات التي تشمل حرق المحاصيل وتحطيم الأشجار وترهيب المزارعين، جعلت من التنقل بين القرى في أيام العيد مغامرة غير مأمونة العواقب، حيث يضطر الكثيرون لتقليص زياراتهم الاجتماعية واختصارها خوفاً من التعرض للرشق بالحجارة أو إطلاق النار من قبل المستعمرين المتطرفين، مما يضيف طبقة أخرى من القهر والحرمان فوق ما يعانيه الفلسطيني أصلاً من حصار وتضييق، ويحول الفرحة المفترضة إلى هم ثقيل يبحث فيه المواطن عن السلامة الجسدية قبل كل شيء.

الإصرار على الفرح رغم أنياب الاحتلال

رغم كل هذه الظروف القاسية والسوداوية التي تحيط بالضفة الغربية، يبقى الإنسان الفلسطيني متمسكاً بحقه في الحياة وبقدرته على اجتراح الفرح من وسط الألم، حيث تصر العائلات على تزيين بيوتها وإعداد "كعك العيد" الذي تفوح رائحته في الأزقة لتعيد للأذهان ذكريات الصمود والثبات. 

إن توزيع الحلوى في المساجد بعد صلاة العيد، وزيارة أضرحة الشهداء، والتوجه لبيوت الأسرى لشد أزر عائلاتهم، كلها طقوس تحولت إلى فعل مقاوم يثبت من خلاله الفلسطينيون أنهم لن يكسروا، وأن فرحهم هو جزء من نضالهم الطويل لنيل الحرية. 

إن هذه المظاهر البسيطة، ورغم تواضعها في ظل الوضع الراهن، تحمل رسائل سياسية واجتماعية عميقة مفادها أن الاحتلال مهما امتلك من أدوات القمع، فإنه لن يستطيع انتزاع الإرادة من القلوب، وستبقى الابتسامة على وجوه الأطفال، وإن كانت ممزوجة بالدموع، هي الرد الأقوى على كل محاولات التغييب والتهجير النفسي والمكاني التي تمارس بحقهم كل يوم.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال