شهدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط (WTI) حالة من التقلبات الحادة والمضطربة، حيث استقرت التداولات حول مستويات 95 دولاراً للبرميل، في ظل حساسية مفرطة تبديها الأسواق العالمية تجاه أي تصعيد عسكري جديد في منطقة الشرق الأوسط.
هذا الاستقرار القلق يأتي في وقت تترقب فيه مراكز المال العالمية مآلات الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل، خاصة مع استمرار طهران في تنفيذ هجمات على دول مجاورة وتبادل الضربات الصاروخية التي وصلت إلى قلب العاصمة الإيرانية.
وعلى الرغم من الإشارات الإسرائيلية التي لمحت إلى تجنب استهداف البنية التحتية للطاقة بشكل مباشر، إلا أن المخاوف من انقطاع سلاسل الإمداد لا تزال تسيطر على قرارات المستثمرين والمضاربين في بورصات الطاقة العالمية.
وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كعامل مهدئ للأسواق، حيث قلل من شأن الارتفاعات الأخيرة التي طرأت على أسعار الوقود، مشيراً إلى أن الوضع الجيوسياسي كان من الممكن أن يؤدي إلى نتائج أسوأ بكثير مما هي عليه الآن.
ترامب، في خطابه الأخير، أعرب عن تفاؤله بأن هذه الأزمة قد تنتهي قريباً، وهو ما أعطى بصيصاً من الأمل للأسواق التي تخشى من دخول الاقتصاد العالمي في دوامة تضخمية جديدة مدفوعة بأسعار الطاقة، مما جعل المتداولين يعيدون تقييم مراكزهم المالية بناءً على احتمالات التهدئة السياسية مقابل استمرار العمليات العسكرية الميدانية.
اتساع الفجوة السعرية بين برنت وغرب تكساس
من الناحية الفنية، سجلت الأسواق ظاهرة لافتة تمثلت في اتساع الفارق السعري بين خام برنت العالمي وخام غرب تكساس الوسيط ليصل إلى حوالي 13 دولاراً للبرميل.
هذا التباين الكبير وضع خام برنت على المسار الصحيح لتحقيق مكاسب أسبوعية ملحوظة، مدفوعاً بزيادة الطلب في الأسواق الأوروبية والآسيوية وتخوفها من تعطل طرق الشحن البحري، في حين ظل خام غرب تكساس الوسيط يواجه ضغوطاً هبوطية.
هذا الانفصال السعري يعكس حالة عدم اليقين بخصوص وفرة النفط الأمريكي مقابل المخاطر العالية التي تحيط بالنفط القادم من المناطق الساخنة، مما دفع الصناديق الاستثمارية للتحوط عبر عقود برنت بشكل أكثر كثافة خلال الجلسات الأخيرة.
التدخل الدولي عبر الاحتياطيات الاستراتيجية
لمواجهة هذا الارتفاع وللحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي، اتخذت وكالة الطاقة الدولية خطوة استثنائية بالموافقة على الإفراج عن 400 مليون برميل من النفط الخام من الاحتياطيات الدولية المشتركة.
وبالتوازي مع هذا التحرك، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن استعدادها للإفراج عن 172 مليون برميل إضافية من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي (SPR).
تهدف هذه الخطوة الضخمة، التي يبلغ مجموعها 572 مليون برميل، إلى إغراق الأسواق بالمعروض لامتصاص أي صدمة ناتجة عن نقص الإمدادات الإيرانية أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وهي رسالة قوية للمنتجين والمضاربين بأن القوى الاقتصادية الكبرى لن تسمح بوصول الأسعار إلى مستويات قياسية تعيق النمو العالمي.
قفزة المخزونات في مركز كوشينغ الأمريكي
على الصعيد المحلي الأمريكي، أظهرت البيانات الرسمية ارتفاعاً ملحوظاً في مخزونات النفط الخام في مركز "كوشينغ" بولاية أوكلاهوما، وهو المركز الحيوي لتسليم وتسعير عقود بورصة نيويورك التجارية (نايمكس).
فقد وصلت المخزونات إلى 27.52 مليون برميل الأسبوع الماضي، وهو المستوى الأعلى الذي يتم تسجيله منذ أغسطس 2024، هذا التراكم في المخزونات يفسر جزئياً سبب ضعف أداء خام غرب تكساس مقارنة بخام برنت، حيث تشير وفرة المخزون في مركز التسليم الرئيسي إلى وجود فائض محلي كافٍ لتغطية الاحتياجات الفورية، مما يقلل من علاوة المخاطر الجيوسياسية على العقود الأمريكية قصيرة الأجل مقارنة بالعقود العالمية.
توقعات الأسواق والمسارات القادمة لعام 2026
بالنظر إلى المستقبل القريب لعام 2026، يبدو أن أسواق النفط ستبقى رهينة لثلاثة عوامل رئيسية: وتيرة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، مدى فاعلية السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، والسياسات النقدية التي ستتبعها البنوك المركزية لمواجهة التضخم الطاقي.
إن بقاء الأسعار حول منطقة 95 دولاراً يعد منطقة توازن حرجة؛ فإذا ما حدث تهدئة حقيقية في الصراع، قد نشهد هبوطاً سريعاً نحو مستويات 80 دولاراً، أما في حال استهداف المنشآت النفطية الحيوية، فإن الرهان على بقاء الأسعار تحت الـ 100 دولار سيكون صعباً للغاية. المستثمرون الآن يراقبون بدقة تقارير الإنتاج الأسبوعية وتحركات الأساطيل البحرية، في انتظار إشارة واضحة تحدد الاتجاه القادم للذهب الأسود.
التأثيرات الجيوسياسية على قرارات الاستثمار
يمكن القول إن سوق النفط في عام 2026 لم يعد محكوماً فقط بقوانين العرض والطلب التقليدية، بل أصبح أداة في الصراع الجيوسياسي الكبير.
إن الضربات المتبادلة في طهران والردود الإسرائيلية ترسم منحنى جديداً للمخاطر المالية، حيث يضطر المحللون لإدراج المتغيرات العسكرية كعامل أساسي في نماذج التنبؤ السعري.
وبينما يحاول العالم حماية نفسه عبر مخزونات الطوارئ، يظل الترقب هو سيد الموقف في بورصات لندن ونيويورك، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تسويات سياسية أو انفجارات ميدانية قد تعيد تشكيل خارطة الطاقة العالمية من جديد.









