يستقبل آلاف الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي عيد الفطر المبارك لعام 2026 في ظل ظروف مأساوية وتصعيد غير مسبوق لسياسات التنكيل والعزل، حيث تحولت السجون بموجبها إلى ما يشبه "ميادين للإبادة" بعيداً عن الرقابة الدولية والحقوقية.
ووفقاً لآخر الإحصائيات الموثقة حتى مطلع شهر مارس 2026، فقد ارتفع عدد الأسرى والمعتقلين إلى أكثر من 9500 أسير، من بينهم 79 أسيرة و350 طفلاً يقبعون بشكل أساسي في سجني "مجدو وعوفر".
هذا الارتفاع الحاد في أعداد المعتقلين يعكس سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال، والتي لا تستثني النساء ولا الأطفال، في انتهاك صارخ لكافة المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني الذي يكفل حقوق الأسرى في أوقات النزاع.
وتشير البيانات التحليلية إلى أن الاحتلال بات يعتمد بشكل مفرط على "الاعتقال الإداري" كأداة للقمع السياسي دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة، حيث وصل عدد المعتقلين الإداريين إلى 3442 معتقلاً، وهو ما يمثل نحو 36% من إجمالي الحركة الأسيرة بالإضافة إلى ذلك، استحدث الاحتلال تصنيف "مقاتلين غير شرعيين" ليحتجز بموجبه 1249 معتقلاً من قطاع غزة ودول عربية مثل لبنان وسوريا، وهو تصنيف يهدف إلى حرمانهم من مكانة "أسرى الحرب" ومنع أي تواصل قانوني معهم، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل مئات المختفين قسراً من غزة في معسكرات مجهولة تابعة لجيش الاحتلال، مما يزيد من تعقيد الملف الإنساني والقانوني لهؤلاء المعتقلين.
حرمان من الزيارة وعزلة تامة عن العالم
منذ اندلاع جريمة الإبادة الجماعية، أحكمت مصلحة السجون الإسرائيلية قبضتها الحديدية، مانعة عائلات الأسرى من زيارتهم بشكل قطعي وكامل. هذا الإجراء حرم مئات الأسرى الذين يقضون عقوداً خلف القضبان، وبعضهم اقترب من إتمام 40 عاماً في الأسر، من لمس أفراد عائلاتهم أو حتى الاطمئنان عليهم. المأساة تكمن في أن غالبيتهم فقدوا آباءهم أو أبناءهم خلال هذه الفترة دون أن يتمكنوا من وداعهم.
وزادت حدة هذه العزلة بعد قرار وقف زيارات الطواقم القانونية والمحامين، مما أدى إلى قطع "النافذة الوحيدة" التي كانت تربط الأسرى بالعالم الخارجي، وتركهم لقمة سائغة لعمليات القمع الممنهجة التي تنفذها الوحدات الخاصة بعيداً عن أي توثيق أو رقابة قانونية.
التنكيل الممنهج تحت إشراف سياسي متطرف
لم تقتصر الانتهاكات على العزل، بل تعدتها إلى عمليات اقتحام عنيفة للأقسام خلال شهر رمضان المبارك، قاد بعضها الوزير المتطرف "إيتمار بن غفير" شخصياً. وقد ظهر بن غفير مؤخراً في مقاطع مصورة أمام "مقصلة" أُعدت خصيصاً للدفع نحو قانون إعدام الأسرى، في رسالة ترهيبية واضحة.
وشملت عمليات القمع المسجلة اعتداءات جسدية وجنسية مهينة، وتجويعاً متعمداً عبر تقليص الوجبات الغذائية إلى مستويات غير كافية للبقاء، فضلاً عن الحرمان المطلق من الرعاية الطبية اللازمة. هذه السياسات الوحشية أدت إلى استشهاد أكثر من 100 أسير، تم الإعلان عن هويات 88 منهم، بينما لا تزال جثامين العشرات من أسرى غزة رهن الاحتجاز والإخفاء القسري في مقابر الأرقام أو ثلاجات الاحتلال.
تمديد حالة الطوارئ: تشريع للجريمة المستمرة
في محاولة لشرعنة هذه الظروف القاسية، أعلنت سلطات الاحتلال تجديد حالة الطوارئ في السجون حتى شهر مايو القادم، هذا التجديد القانوني يعني استمرار العمل بالإجراءات الاستثنائية التي تسمح لمصلحة السجون بعدم الالتزام بالحد الأدنى للمساحة المقررة لكل أسير داخل الغرف، مما أدى إلى اكتظاظ خانق يفاقم معاناة الأسرى اليومية وينشر الأمراض الجلدية والمعدية بينهم.
هذا "التشريع للانتهاك" يجعل من ظروفهم المعيشية جحيماً مستمراً، ويحول الزنازين إلى أدوات تعذيب بطيء تهدف إلى تحطيم إرادة الأسير الفلسطيني وجعله يعيش في حالة دائمة من القلق والارتباك الصحي والنفسي.
صرخة العيد ومقاعد الانتظار الفارغة
بينما تتهيأ العائلات الفلسطينية والعربية لاستقبال العيد بمشاعر يلفها الحزن، تظل آلاف المقاعد فارغة على موائد الإفطار والعيد بانتظار أحبة غيبتهم السجون.
إن صمت المجتمع الدولي تجاه هذه الجرائم الموثقة يغذي شهية الاحتلال لمزيد من التنكيل والقتل بدم بارد داخل الغرف المغلقة ويبقى الأسرى في عيدهم يرقبون فجر حرية قريب، مستمدين صمودهم من عدالة قضيتهم، رغم أنف المقصلة وسياسات التجويع وإن رسالة الأسرى في هذا العيد هي تذكير للعالم بأن الحق في الحرية والكرامة لا يسقط بالتقادم، وأن خلف كل رقم في السجلات الأسيرة قصة إنسان يحلم بلقاء أهله تحت شمس الحرية.










