19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

إشكاليّات التّرجمة من خلال تجربة ليلى الدّعمي

التّرجمة في بعدها الأوّلي البسيط، هي أداة تلقائيّة لتفسير تلوّنات مشاعرنا وترجمة اختلاجاتنا وبثّ رسائلها للآخر بالإيحاء والفعل والحركة والصّوت

بقلم: الكاتبة التونسية ليلى الدعمي
٢٣ مارس ٢٠٢٦
9 دقائق قراءة
6 مشاهدة
الكاتبة التونسية ليلى الدعمي

الكاتبة التونسية ليلى الدعمي

تقديم عامّ 

ترجم يترجم تعني في العربيّة، نقل الكلام أو النصّ من لغة إلى أخرى، أو شرحه وتبيينه، وكذلك ذكر سيرة شخص وحياته، وتستخدم في سياقات مختلفة كترجمة الكتب، أو شرح المعنى، أو كتابة تراجم سير ذاتيّة للأدباء والشخصيّات. ويمكن أن تعني أيضا تبيين الأفعال وتوضيحها.

والتّرجمة في بعدها الأوّلي البسيط، هي أداة تلقائيّة لتفسير تلوّنات مشاعرنا وترجمة اختلاجاتنا وبثّ رسائلها للآخر بالإيحاء والفعل والحركة والصّوت، أنا أتكلّم لأخترق الصّمت، أخفض صوتي لأشدّ الانتباه، أهمس لسحب الصّوت منكم. أرفعه لفرض السّكوت عليكم أو للتّصعيد والإرباك. ألوّنه لأطوّح بالمستمع، أضيف حركة لتكثيف اللّحظة. أبتسم لأخفّف من الضّغط، أغمز لأراوغ فأضفي أريحيّة. أضمّكم فأمتصّ الغضب منكم جميعا. 

كلّ هذا التّنويع في التّخاطب تتيحه أدوات التّواصل في اللّغة لخلق علاقة يحدّد المتكلّم طبيعتها للسّيطرة على الفضاء، نفس الشّيء يحصل في الكتابة فنتكلّم باطنيّا بلغة القلم، مع مستمع مستتر نعتقد أنّه القارئ. فندوّن له رسائلنا وتتحوّل صفحة الورق إلى حامل حاضن لها. وما الكتابة سوى وسيلة تعبير بالرّسم لترجمة ما بدواخلنا ونقله على الورق لضمان تمريره وتواصله. 

فما هي وظيفة التّرجمة وفوائدها؟

اعتبرت التّرجمة وسيلة للتّواصل بين الشّعوب المتباينة وطريقة تفاعل ذات أبعاد عابرة للثّقافات في شكل تعبيرات متعدّدة عن مختلف التمثّلات الثقافيّة بين الأفراد والمجموعات البشريّة. إذ تتيح التّشارك والتّبادل والانفتاح على عوالم مغايرة من خلال قراءات جديدة لتعبيرات متنوّعة في لغة مختلفة. فتعبر بنا إلى أمكنة نائية وتستحضر مشاهد من أزمنة بعيدة. فما هي علاقة التّرجمة بالأدب؟

لقد أثبتت التّرجمة أنّها فنّ ثابت لنقل الإنتاج الإنساني في مجال العلم والفكر والفلسفة والأدب والفلك وعلم الأحياء والخرائط والطبّ والفنون والتّاريخ والدّين وغيرها من الإبداعات والاكتشافات. شرحت التّرجمة مضامينها وبيّنت مكنوناتها ومرّرتها من حضارة إلى أخرى عبر القرون المتعاقبة. 

ولولا فضل التّرجمات التي حصلت في العصور القديمة، حين تجشّم العلماء العرب ترجمة المدوّنات الإغريقيّة، لما تقدّمت الشّعوب الغربيّة، ولما شهد العالم كلّ هذه التطوّرات التكنولوجيّة ولما وصل إلى هذا التقدّم العلمي المرعب. إذ لعبت التّرجمة دورا مجتمعيّا وحضاريّا عظيما. فمثّلت همزة وصل حاسمة وجسرا متينا بين الحضارات وقاطرة متحرّكة، يكفي في عالم الأدب. 

الأدب مساحة حريّة للفكر بامتياز، وجوهر العقل الإبداعي للإنسانيّة. لأنّه مخزون متنوّع وشامل يراكم في طيّاته مختلف التّمظهرات. ينسج روابط هلاميّة غير متوقّعة ويحرّك شخصيّات واقعيّة معروفة أو مغمورة وأخرى خياليّة ومركّبة أو خرافيّة إعجازيّة. فيتيح السخريّة والنّقد والرّفض والتّعريض بالممارسات المشينة. يخاطب الوجدان والباطن في شكل تهويمات ويجلد الذّوات. يحاور الأشياء غير العاقلة ويتكلّم مع الأرواح والملائكة. يتواصل مع الخالق ويحكي مع الجنّ ويتجادل مع الشّيطان.

يقتحم العقل ويفعّل الخيال ليستجلب الذّاكرة ويستحضر الأساطير والملاحم ويستقرئ التّاريخ. يعاين الرّموز ويرصد الدّلالات للإشادة بها أو الإشارة إلى جذور الخلل فيها. فيفضح قسوة الواقع واضطراباتنا النّفسيّة وتقرّحاتنا. يصعد حتّى للماورائيّات بقدرة خارقة، ليطرح معالجات في العمق. فيكون بذلك مقياسا لنضج الشّعوب ومعيارا لرقيّ مجتمعاتها. 

والأهمّ من ذلك أنّه يرسم ملامح سبل التّدارك. فيطلعنا على الصّراعات الاجتماعيّة والسّياسيّة. وقد يزعزع الثّوابت ويرجّ المرجعيّات، بتعرية المسكوت عنه والتّابوهات ومساءلته للموروث. يشرّح النّظم الأخلاقيّة والدّينيّة والسّياسيّة، بقدرة فائقة ويكشف إرهاصات الشّعوب وتنازعها حول السّلطة والجاه. وهو عامل أساسيّ في تحفيز الشّعوب وشحذ العزائم ونشر الوعي واستنهاض الهمم. لذلك تعمد أجهزة الحكم في المجتمعات الهشّة، على تشديد الرّقابة ومنع الأعمال الأدبيّة من النّشر. لأنّ الأدب سلاح ذو حدّين، قد يمثّل خطرا على نفوذها. 

وأثبتت التّجارب أنّ الأدب قادر على كسر الخوف لدى الشّعوب المضطهدة ودفعها إلى التمرّد. كما يمكّن نوازع الهيمنة الاستعماريّة، من معرفة مواطن الضّعف لإعادة تقسيم العالم. ورغم هذه التهديدات، يظلّ الأدب في كلّ الأحوال، شأنا نبيلا وممتعا. وهروبا منشودا ونزهة دائمة وترفيها محمودا. يقرّب الشّعوب ويخترق مختلف المجالات بطريقة أفقيّة، فيعيد للعالم إنسانيّته. أمّا الإبداع فيه، فتتسامى معه وظائف وسائل التّعبير وفي مقدّمتها التّرجمة. فما هو دورها؟

رغم وصم بعضنا عمليّة التّرجمة بالخيانة، فهي تمرين ذهنيّ يحرّك الذّائقة في عدّة مستويات. ليفضي في نهاية الأمر إلى مرحلة الإدراك ثمّ الاستيعاب. وهي وسيلة لاكتشاف رؤية مختلفة وفكر آخر ونافذة تفتح أعيننا على زوايا ووجهات نظر جديدة. وتكمن صعوبتها في قدرتنا على ارتداء جبّة ثقافة مغايرة والغوص في خصوصيّاتها لتمرير مضامين النصّ الأصلي، بأدوات لغتها وبصدق. 

أعترف بأنّ التّرجمة عالم شاسع للثّراء ومصدر مهمّ للمعرفة يحفّز وعينا وإدراكنا للكون. بل أعتبرها فناّ مكتملا يسمح لنا بالسّفر إلى عوالم أخرى دون التنقّل، والحلم والابتكار إلى درجة الشّعور معها بالسّعادة. هي بالضّبط في مقام السّيناريو السّينمائي المحبوك والمستمدّ من نصّ إبداعيّ معلوم، يعدّه المخرج للفلم ويحمّله إضافات جماليّة لضرورة السّينما بغاية تحقيق الأهداف ونجاح الاقتباس. فكيف كانت تجربتي مع التّرجمة؟

انطلق شغف البحث عن المفردات ومرادفاتها، كوسيلة تسلية لقتل الوقت بالمبيت. لعبة أتاحت لي التّعامل مع المنجد. ثمّ تعمّقت مع مادّتي التّرجمة والنّقل، فتعلّمت إتقانها على يدي أستاذي الجليل أحمد حيزم. وتواصلت خلال مسيرتي المهنيّة بترجمة التّقارير وورقات العمل لتقديم تصوّرات وبرامج مشاريع الإحياء والتّثمين، حتّى اكتشفت أنّها مسؤوليّة جسيمة تختلف تماما مع صياغة المداخلات العلميّة والمقالات في مجال الفنون والتّراث عموما. 

لكنّ تجربتي الحقيقيّة في ترجمة الأدب، كانت مغامرة عفويّة لم أخطّط لها. حتّى تأكّدت أنّ لعبتي المفضّلة محفوفة بالإنزلاقات. وكم كانت مهمّتي عسيرة، كمن يعيد تشكيل العالم بأدوات مختلفة لا يمتلكها. أو يسافر نحو المجهول بلا جواز سفر ولا تأشيرة عبور. يكتسحه الخوف من حقيقة جهله وإمكانيّة خيبة أمله فيتردّد. لكنّه لا يتراجع وينطلق في دربة التحدّي والمجازفة. ويقرّر المواجهة.

لم يكن اختيار مجموعة شجرة الأحلام العالية عبثيّا. إذ وفّرت متعة لامست دلالاتها نبضي، وتفاعلت رموزها مع الذّاكرة ومجموع المعارف والمرجعيّات المشتركة وفق ما يمليه وعيي بالأشياء. وكانت الرّسالة الأبرز التي تلقّفتها من هذا الأثر، هي التشبّث بالأمل العظيم ودعوة صريحة للحلم بإسهاب. بما قد يسمح لكلّ منّا بتأويل المعنى المكثّف في شكل قراءات متعدّدة وفق خلفيّاته وذائقته.  

كانت فكرة إعادة كتابة النّص لخلق لوحة إبداعيّة، مغرية. لكنّ ذلك التردّد اللّعين باغتني كمن يرسم عملا فنيّا وأربكه المشهد. لقد خفت أن يحصل تباين مع الكاتب في وجهات النّظر فيفسد العمل صداقتنا. لكنّ الواقع بدّد هذا الخوف لتصبح التّرجمة مصدرا ثريّا للتّثاقف وتبادل المهارات المعرفيّة. وفرصة لتوطيد العلاقة. فشكرت الأقدار التي جمعتني بالإنسان الذي يحمله الكاتب في داخله. 

كان التّعامل معه راقيا دفع إلى تخصيب الأفكار وتطوير الرّؤى. وجسرا لصداقات مثمرة مع أشخاص غاية في الجمال مثل النّاقد المتميّز الدّكتور المنجي الغنّودي وأستاذة الفرنسيّة الرّائعة عزّة بن عبد اللّه والجامعيّة السّامقة هالة سعيداني. أمّا صديقة العمر الفنّانة المدهشة الدّكتورة كوثر جلاّزي بن عيّاد، فقد أثبتت أنّ التّعاون بين المبدعين بمختلف مشاربهم، جدير بالتّثمين. إذ تجشّمت عناء إعداد لوحة زيتيّة خاصّة بالغلاف وأضافت رسوما خطيّة لكلّ قصّة. أعدّتها بحبّ كبير هديّة ومساهمة منها في العمل.  

لقد وضّحت لي تجربة التّرجمة، مختلف الفروق الدّقيقة بين عمليّة القراءة والسّرد والكتابة. فتركّزت لديّ عناصر القصّ ومكوّناته بوضوح. ومنحني الوعي بالقراءة رغبة ملحّة في استكمال المغامرة لإعادة الكتابة بالتّرجمة، ولتجسيد جدليّة الإبداع بين النّص الأصليّ وصياغته. ومنذئذ، تشابكت المعارف والثّقافات في مسار البحث عن المعاني وفق تصوّرات ورؤية ذاتيّة. 

لكنّ مخاطر الانتقال إلى سجلاّت لغة تختلف مفرداتها ودلالاتها، كانت جمّة. فازدوجت الخلفيّات ومباحث الألسنيّة بين اللّغة والتصوّر. وتداخلت أبعاد الأزمنة وصيغ تصريفها مع تقنيات القصّ في عمليّة تفكيك التّراكيب. واضطربت حروف الجرّ في تعويضها بأدوات ربط جديدة. وتأزّمت في تجسيد التّشويق والإدهاش وترجمته في سياقه اللّغوي. وكم ارتبكت في إمكانيّة منح السّرد مسحة من الصّدق في التّعبير. هذا فضلا عن الرّغبة في تلوين الصّور دون خيانة الأصل وإضفاء جماليّات وشاعريّة على مشهديّاته بغاية الإمتاع. 

فتجد نفسك تقرأ بلغتك الأمّ ولكنّك تكتب بأدوات الإدراك المتاحة في لغة أجنبيّة. تنهل من تكوينك المختلف ومعارفك المتواضعة متهيّبا من متلقّ مجهول يتقن اللّغة الفرنسيّة. وتحاول التقاط مواطن القوّة وتطاوع إلهام السّرد فتكتشف أنّك تسعى لاغتيال الكاتب بصفة لاشعوريّة. وتعيش بين الانفصام وضغط الضّمير لتكون وفيّا. فتدخل في صراع مع ذاتك حول مواقفك ومبادئك ورؤيتك للأشياء. حينها يلاحقك الخوف من الخيبة وفشل التّجربة وانتكاس قراءتك. 

جمعت عمليّة النّقل والتّرجمة بين هذه المستويات بأبعادها النّفسيّة والمعرفيّة المتشعّبة. فتعود لقراءة المجموعة للمرّة الألف، ثمّ تحاول كتابة الذّاكرة السّاردة في منظور الكاتب وبرؤية النّاقل. تنصهر في الشّخصيّات وينفطر قلبك مع أبطالها وتنتكس نفسيّتك مع مآسيها. فيتداخل الوجداني والذّاتي مع الموضوعي. وتظلّ في حالة تشظّي تختبر صبرك على التحدّي وقدرتك على الحياد ضمن جدليّة التّماهي مع النّص الأصلي والإبداع في صياغته. ويجهز عليك الخوف. 

والأقسى من الخوف، أن تتفطّن إلى أنّك، تحيك السّرد بأسلوبك وتعيد خلق النّص بروحك، فتتهيّب. وتحدث بداخلك زوبعة، فتتراجع. ثمّ تعيد توليف العمل وتحرص على تناسق بناء القصص وتطابق تركيبة شخصيّاتها وتراتبيّة الأحداث. وتغمرك القداسة، كفنّان محترف في نظم المجوهرات. مطالب بإثبات مهارته في ترصيعها بالعقيق والأحجار الثّمينة. ولكنّك في واقع الأمر، تلهث وراء المفردات لانتقاء أفضلها لحسن تأدية المعاني. وللمرّة المليون وفق ذائقتك وميولاتك. فتسارع بغير موعد للاستفسار مع الكاتب عمّا قد غاب عنك. أليس ذلك ضرب من الجنون؟

الكاتبة التونسية ليلى الدعمي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

إشكاليّات التّرجمة من خلال تجربة ليلى الدّعمي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°