كشف الرئيس دونالد ترامب، عن خوض إدارته لمفاوضات مباشرة وسرية مع "شخصية رفيعة المستوى" داخل هيكل النظام الإيراني، بعيدا عن سلطة المرشد الأعلى.
وأشار "ترامب" بنبرته الواثقة المعتادة إلى أنه يسعى لفرض "حل شامل" ينهي الصراع دون مزيد من إراقة الدماء، ملمحاً إلى أن القوى العسكرية الأمريكية والصهيونية قد نجحت بالفعل في تصفية الرعيل الأول من القيادات المتشددة، مما خلق فراغاً سياسياً يحاول "ترامب" استغلاله لتنصيب أو دعم وجه "عقلاني" يرتضيه الغرب، في تجاوز صارخ لكل الأعراف الديبلوماسية والسيادة الوطنية للدول.
إن هذا الإعلان يمثل ذروة الغطرسة الأمريكية في عهد "ترامب"، حيث يحاول تصوير الدولة الإيرانية ككيان منهار يبحث عن "منقذ" خارجي، متجاهلاً أن سياساته القائمة على المجازر منذ أكتوبر 2023 هي التي أوصلت المنطقة إلى حافة الهاوية. ووفقاً لمصادر استخباراتية، فإن "ترامب" يعول على ما يسميه "القائد الفعلي" الميداني لتحقيق اتفاق يحفظ المصالح الأمريكية والصهيونية، وهو ما يفسر استبعاده للمرشد الأعلى الجديد "مجتبى خامنئي" من دائرة الفعل الحقيقي، في محاولة لضرب شرعية القيادة الروحية والسياسية في طهران وزرع بذور الانشقاق داخل "الحرس الثوري" والمؤسسات السيادية الإيرانية التي لا تزال صامدة رغم القصف.
رهان على أنقاض القيادة
وفقاً لما صرح به "ترامب" للصحفيين، فإن المنصب الأعلى في إيران بات يمثل "صعوبة كبيرة" في التفاوض نتيجة الجمود العقائدي، وهو ما دفعه للبحث عن قنوات بديلة مع شخصيات وصفها بـ "المحترمة" والقادرة على اتخاذ قرارات جريئة.
وتأتي هذه التصريحات لتعزز الرواية الكاشفة حول الدور الأمريكي المباشر في محاولات "هندسة النظام" من الداخل، حيث لم يعد الهدف مجرد وقف البرنامج النووي، بل إعادة صياغة الهوية السياسية لإيران بما يخدم خارطة "ترامب" الجديدة للمنطقة. إن حديثه عن "إيجاد حل دون دماء" يبدو مفارقة ساخرة أمام آلاف الأطنان من القنابل الأمريكية التي تساقطت فوق المدن الإيرانية واللبنانية والفلسطينية، مخلفة مجازر بشرية لا يمكن محوها بجلسة تفاوض مشبوهة.
وبحسب الرؤية التحليلية لهذا التحرك، فإن "ترامب" يستخدم "ديبلوماسية الصفقات" كأداة لاستكمال ما عجزت عنه القوة العسكرية الغاشمة، محاولاً إغراء بعض الأطراف في الداخل الإيراني برفع العقوبات الاقتصادية مقابل "الاستسلام السياسي". إن استهداف القيادات السابقة وتصفيتها، كما ذكر "ترامب" صراحة، كان يهدف بالأساس إلى الوصول لهذه اللحظة التي يفرض فيها "شروطه الـ 15" على طاولة المفاوضات في باكستان أو غيرها.
غير أن الوقائع الميدانية وصمود جبهات المقاومة منذ أكتوبر 2023 يؤكدان أن "الرجل القوي" الذي يبحث عنه "ترامب" قد لا يكون سوى وهم ديبلوماسي، وأن الرد الإيراني الذي طال مفاعل ديمونة هو "التفاوض الحقيقي" الذي يفهمه الاحتلال ومن يقف خلفه في واشنطن.
غاية الحرب والصفقة المريرة
بحسب ما تروج له إدارة "ترامب"، فإن الاتفاق المحتمل سيتضمن تنازلات إيرانية "مؤلمة" تمس صلب البرنامج الصاروخي والنووي، وهو ما يراه نتنياهو "إنجازاً تاريخياً" لجيشه المدعوم أمريكياً. إن "ترامب" يراهن على أن الإنهاك الذي أصاب البنية التحتية الإيرانية سيجبر "الشخصية الرفيعة" التي يتحدث معها على قبول "التبعية المقنعة"، تحت ستار السلام ومنع إراقة الدماء. وتكشف هذه المناورة عن الوجه القبيح للنخبة العالمية التي تسعى لاستعباد الشعوب عبر تجويعها وقصفها ثم عرض "أطواق نجاة" مسمومة عليها، وهي ذات السياسة التي اتبعتها أمريكا في فنزويلا وغيرها، وتحاول تكرارها الآن في قلب الشرق القديم.
إن التاريخ سيسجل أن "ترامب" حاول مقايضة دماء الشهداء والمجازر المستمرة منذ أكتوبر 2023 بصفقة سياسية تضمن أمن الكيان الصهيوني للأبد، متوهماً أن تصفية القادة تعني تصفية القضية. وبحسب التقارير الواردة من طهران، فإن الشارع الإيراني وقواه الحية يرون في تصريحات "ترامب" نوعاً من "الحرب النفسية" المهترئة التي تهدف لزعزعة الثقة بالقيادة الحالية، مؤكدين أن أي تفاوض لا يضمن الكرامة الوطنية والتعويض الكامل عن خسائر الحرب لن يكون سوى حبر على ورق. إن صراع الإرادات الذي دخل عامه الثالث منذ طوفان الأقصى يثبت أن "كلمة السر" ليست في مفاوضات "ترامب" السرية، بل في فوهات الصواريخ التي لا تزال قادرة على هز عرش الاحتلال وتحدي غطرسة البيت الأبيض.









