رسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم، ملامح رؤية بلاده لمواجهة الزلزال الجيوسياسي الذي يضرب المنطقة منذ اندلاع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران في فبراير الماضي.
وأكد أردوغان، عقب اجتماع للحكومة في أنقرة، أن مبادرة "منطقة بلا إرهاب" التي أطلقتها بلاده ليست مجرد مشروع أمني، بل هي "سد منيع" أمام مخططات الفتنة التي تسعى لتمزيق النسيج الاجتماعي بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس.
واعتبر الرئيس التركي أن ما يشهده العالم اليوم، وخاصة المخططات التي تستهدف استقرار الجارة "إيران"، هو محاولة قذرة لإعادة رسم حدود المنطقة بالدم، مشدداً على أن تركيا لن تستسلم للغة العنف والكراهية، وستظل ترفع راية الأخوة والسلام العالمي.
وتوقف المحللون عند إشارة الرئيس أردوغان إلى أن النظام العالمي يمر بتحول هيكلي منذ أزمة 2008، حيث أصبحت المنطقة ساحة صراع لتحديد هوية القوى التي ستقود التكنولوجيا، وتدير الذكاء الاصطناعي، وتسيطر على طرق التجارة ومصادر الطاقة.
ويرى أردوغان أن منطقتنا تم اختيارها مجدداً لتكون "مختبراً" للنظام العالمي الجديد، تماماً كما حدث قبل قرن من الزمان، مؤكداً عزم حكومته على إبقاء "تركيا" خارج دائرة النار ومواجهة كافة الاستفزازات التي تسعى لجر البلاد إلى حرب استنزاف إقليمية لا تخدم سوى القوى الاستعمارية.
إن هذا الموقف التركي يعكس إدراكا عميقا بأن الصراع الحالي يتجاوز الحدود الجغرافية لإيران، ليمس جوهر الاقتصاد والأمن العالمي.
خناق هرمز وتكلفة "حرب نتنياهو" العالمية
حذر الرئيس أردوغان من التداعيات الكارثية لإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، معتبراً أن هذا التطور أدخل الاقتصاد العالمي في نفق مظلم واضطراب خطير لا يمكن التنبؤ بنهايته.
وأشار أردوغان بلهجة حازمة إلى أن ثمانية مليارات شخص حول العالم يدفعون اليوم ثمن "حرب إسرائيل"، واصفاً إياها بأنها "حرب نتنياهو" الشخصية من أجل البقاء في السلطة، لكن أثرها المدمر طال معيشة البشر في كافة القارات.
وشدد الرئيس التركي على ضرورة إنهاء هذه الحرب "غير القانونية" فوراً، قبل أن يلحق بالاقتصاد العالمي ضرر جسيم قد يستغرق تعويضه سنوات طويلة، داعياً المجتمع الدولي لاتخاذ موقف "شجاع واستباقي" للجم غطرسة الحكومة الإسرائيلية المتطرفة.
وبحسب التقارير الواردة من أنقرة، فإن تركيا ترى أن الردود الانتقامية التي تستهدف دول الخليج تمثل خطراً وجودياً يهدد بغرس بذور الشقاق بين الأشقاء، وهو ما تسعى القوى الخارجية لاستغلاله لتفتيت وحدة الموقف الإسلامي.
وأكد أردوغان أن بلاده تدير هذه المرحلة بحذر وروية وحكمة، ملتزمة بحقوق الجوار والأخوة، ورافضة للانجرار خلف المكائد التي تهدف لتأجيج الغضب المتبادل.
إن التحذير التركي من آثار الحرب التي تمتد لتترك ندوباً في "الأذهان والقلوب" يعكس رؤية إنسانية نقدية للسياسات العسكرية التي تنتهجها "أمريكا" وإسرائيل، والتي تتجاهل الكلفة البشرية والمعنوية الباهظة للدمار المستمر منذ 25 يوما.
حائط الصد التركي وتحالفات الضرورة
أشار الرئيس أردوغان إلى نجاح استراتيجية "تركيا بلا إرهاب" التي أطلقت في عام 2024، متمثلة في القرار التاريخي لتنظيم "بي كي كي" بحل نفسه وإلقاء السلاح في مايو 2025 استجابة لدعوة عبد الله أوجلان. واعتبر أردوغان أن هذا المنجز الوطني هو ما سمح لتركيا اليوم بأن تكون طرفاً قوياً قادراً على قول "الحق حقاً والباطل باطلاً"، خاصة في وجه الهجمات التي تستهدف إيران تحت ضغوط إسرائيلية وأمريكية مباشرة.
وأوضح أن تركيا استعدت مسبقاً لأزمات الطاقة من خلال تنويع المصادر وتأمين الإمدادات المحلية، مما جعلها في مأمن نسبي من الصدمات التي ضربت الأسواق العالمية عقب اندلاع المواجهة في فبراير الماضي.
وفي ختام كلمته، شدد أردوغان على أن التحالفات التقليدية في العالم تتفكك لتفسح المجال أمام تحالفات جديدة تقوم على مواجهة التهديدات المشتركة، مؤكداً أن التعاون الإقليمي هو السبيل الوحيد للنجاة.
ودعا الرئيس التركي إلى فتح باب الحوار والبدء في مفاوضات فعالة تؤدي إلى نتائج ملموسة، محذراً من أن الموقف الإسرائيلي "المتصلب والاستعلائي" هو العائق الأكبر أمام أي حل ديبلوماسي. إن الرسالة التركية من أنقرة اليوم واضحة: لا بديل عن السلام العادل الذي يحفظ سيادة الدول وحقوق الشعوب، بعيداً عن منطق القوة الغاشمة الذي يحاول ترمب ونتنياهو فرضه على المنطقة والعالم.










