20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

ما هو الثمن الباهظ لإعلان ترامب النصر والانسحاب من الحرب؟

نشرت جريدة «معاريف» مقالاً للبروفيسور أماتسيا برعام استهلّه باستحضار مقولة يوليوس قيصر في العاشر من كانون الثاني من العام 49 قبل الميلاد: «لقد حُسم الأمر، وسقط الروبيكون»، حين عبر النهر بجيشه مخالفًا أوامر مجلس الشيوخ، مُشعلًا الحرب الأهلية

بقلم: أخبار ومتابعات
٢٦ مارس ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
7 مشاهدة
ما هو الثمن الباهظ لإعلان ترامب النصر والانسحاب من الحرب؟

ما هو الثمن الباهظ لإعلان ترامب النصر والانسحاب من الحرب؟

نشرت جريدة «معاريف» مقالاً للبروفيسور أماتسيا برعام استهلّه باستحضار مقولة يوليوس قيصر في العاشر من كانون الثاني من العام 49 قبل الميلاد: «لقد حُسم الأمر، وسقط الروبيكون»، حين عبر النهر بجيشه مخالفًا أوامر مجلس الشيوخ، مُشعلًا الحرب الأهلية. هذا التشبيه، وفق الكاتب، يعكس أن قرار الحرب قد اتُخذ بالفعل، ولا يمكن التراجع عنه. ويضيف أن الرهان على الحرب كان مبررًا من وجهة نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم وجود بدائل أبطأ مثل الحصار الاقتصادي الشامل، إلا أن ذلك لم يعد ذا أهمية بعد اتخاذ القرار.

وأوضح الكاتب أن الهجوم أدى إلى إثارة رغبة جامحة في الانتقام لدى النخبة الحاكمة الإيرانية، مضافة إلى التزام أيديولوجي مستمر منذ 47 عامًا بالقضاء على إسرائيل. كما أشار إلى أن إسرائيل قضت على أبرز القادة المتطرفين البراغماتيين، ما أفسح المجال أمام قادة الحرس الثوري الأكثر تشددًا لملء الفراغ. ووفقًا للمقال، فإن الفارق بين النجاح والفشل بالنسبة لإسرائيل يتمثل في مصير 460 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بينما أصبح النظام الإيراني اليوم أكثر إصرارًا على تسريع إنتاج القنبلة النووية كضمانة لبقائه.

وبيّن أن حرية الملاحة في مضيق هرمز تُعد قضية محورية بالنسبة للولايات المتحدة، وبشكل غير مباشر لإسرائيل أيضًا. وأشار إلى أن الإطاحة بالنظام الإيراني قد تكون مفيدة لكنها ليست شرطًا أساسيًا لتحقيق الأهداف. وفي هذا السياق، تتحول الحرب من مجرد عملية عسكرية إلى صراع استراتيجي طويل الأمد مرتبط بالتحكم في ممرات الطاقة العالمية.

مضيق هرمز

تناول المقال بالتفصيل الأهمية الجغرافية والتاريخية لمضيق هرمز، باعتباره ممرًا مائيًا ضيقًا يربط المحيط الهندي وبحر العرب وخليج عُمان بالخليج العربي. يبلغ طوله 167 كيلومترًا ويتراوح عرضه بين 34 و97 كيلومترًا، ويضم عدة جزر منها جزيرة هرمز التي يُعتقد أنها سميت نسبة إلى الإله الزرادشتي أهورا مزدا. كما يضم جزرًا استراتيجية مثل طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، التي استولت عليها إيران من إمارة الشارقة عام 1971، وتحولت إلى قواعد عسكرية للحرس الثوري.

وأشار الكاتب إلى أن أقصى عمق للمضيق يبلغ نحو 200 متر، ما يسمح بمرور ناقلات النفط العملاقة، إلا أن السيطرة عليه عسكريًا سهلة نسبيًا من السواحل الإيرانية والجزر المحيطة. وحتى بداية الحرب الحالية، كان نحو 20% من الغاز الطبيعي المسال في العالم و25% من النفط المنقول بحرًا يمر عبر هذا المضيق، ما يجعله أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة عالميًا.

واستعرض المقال التاريخ الطويل للمضيق، حيث كانت مملكة هرمز في القرنين الثالث عشر والخامس عشر مركزًا تجاريًا رئيسيًا يربط بين الهند والصين وشرق أفريقيا والخليج والعالم الإسلامي. وفي عام 1507، سيطر البرتغاليون على المنطقة وفرضوا ضرائب على التجارة، قبل أن يتم طردهم بين عامي 1622 و1625 عبر تحالف صفوي بريطاني هولندي. كما استمر النفوذ البريطاني حتى عام 1971، إلى جانب التأثير الأمريكي، قبل أن تتعاظم أهمية المضيق عالميًا بعد اكتشاف النفط في إيران عام 1908، ثم في السعودية عام 1938، وما تبعه من اكتشافات في دول الخليج.

الحرب وتحولات المضيق

أوضح المقال أنه حتى الحرب الحالية، لم تُفرض قيود على مضيق هرمز إلا مرة واحدة عام 1951، عندما حاولت بريطانيا منع حكومة مصدق من تصدير النفط بعد تأميمه، لكن الحصار رُفع سريعًا. كما أشار إلى هجمات إيران في أواخر السبعينيات على ناقلات نفط كويتية خلال الحرب مع العراق، دون أن تصل إلى حد إغلاق المضيق بالكامل.

وفي تطور لافت، نقل المقال تصريح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في 17 آذار، الذي أكد أن الوضع في المضيق لن يعود كما كان قبل الحرب، وأن الشرق الأوسط سيتغير بالكامل بعيدًا عن المخططات الأمريكية. كما أشار إلى دعوته لإنشاء نظام أمني واقتصادي إقليمي جديد تقوده الدول الإسلامية، وربط وقف إطلاق النار بانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة.

كما نقل المقال تقارير عن ضغوط تمارسها دول خليجية على الولايات المتحدة لعدم إنهاء الحرب قبل إضعاف إيران بشكل كبير، خوفًا من بقاء قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة. وأكد الكاتب أن مضيق هرمز يمثل المهمة الأكثر أهمية للقوات الأمريكية، نظرًا لتأثيره المباشر على أسعار النفط والتضخم العالمي، إضافة إلى ارتباطه بصادرات الهيليوم من قطر والصناعات الكيميائية المرتبطة بالغاز الطبيعي.

الضغط على ترامب

لفت المقال إلى أن إيران بدأت فعليًا بفرض سيطرتها على المضيق، حيث تحدد السفن التي يُسمح لها بالعبور، خاصة المتجهة إلى الصين واليابان والهند، مقابل رسوم تصل إلى مليوني دولار لكل سفينة. في المقابل، يتم احتجاز بقية السفن في موانئ الخليج، في سابقة تاريخية تعكس تحولًا جذريًا في قواعد الملاحة.

وأوضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان قيودًا كبيرة في استهداف قطاع النفط الإيراني، بسبب تهديدات طهران بتدمير منشآت النفط والغاز في دول الخليج، وهو ما بدأت بتنفيذه. كما أن هناك اعتبارات استراتيجية تحول دون تدمير الاقتصاد الإيراني بالكامل، تحسبًا لمرحلة ما بعد سقوط النظام.

وأشار الكاتب إلى أن هذا النهج يمنح إيران أفضلية خطيرة، إذ يسمح لها بإلحاق الضرر بمنافسيها دون أن تتعرض لضربات مماثلة، ما يعزز بقاء النظام. كما أن طهران تستخدم احتياطاتها المالية لتحسين الوضع المعيشي داخليًا ومنع أي انتفاضة، في ظل غياب محاولات لتجميد أصولها عالميًا، بينما يبقى الحرس الثوري قلقًا من احتمال اندلاع انتفاضة أو سقوط ترامب تحت ضغط النظام الديمقراطي.

سيناريو الانسحاب

حذر المقال من أن إعلان ترامب النصر والانسحاب سيُبقي النظام الإيراني في السلطة مع احتفاظه بقدراته الصاروخية والطائرات المسيرة. في هذا السيناريو، لن يُفتح مضيق هرمز إلا بشروط إيران، التي ستفرض رسوم عبور وتتحكم في صادرات النفط والغاز، بل وستجبر دول الخليج على دفع نسب من دخلها القومي مقابل “الحماية”.

كما ستتمكن إيران من فرض شروطها على نوعية وكميات الصادرات، ما يمنحها قدرة غير مسبوقة على التحكم في أسعار الطاقة عالميًا. هذا الوضع لن يمثل فقط هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة، بل سيؤثر بشكل مباشر على أوروبا ودول شرق آسيا وإسرائيل، ويمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها في ظل استعدادها لغزو تايوان.

وأضاف الكاتب أن إيران ستتعافى اقتصاديًا بسرعة، وستستأنف برامجها النووية والصاروخية، وتزيد دعمها للمنظمات المسلحة، ما يمنح دفعة قوية للإسلام الراديكالي عالميًا. ورغم الإنجازات العسكرية التكتيكية التي تحققت، فإن النتيجة الاستراتيجية قد تكون عكسية على المدى الطويل.

التبعات الاستراتيجية

اختتم المقال بالتأكيد على أن ترك المضيق تحت سيطرة إيران سيؤدي إلى مواجهة مستقبلية مع نظام أكثر قوة وثقة وثراء. وأشار إلى ضرورة إيجاد وسائل ضغط لإجبار إيران على وقف تخصيب اليورانيوم، من بينها التهديد بتدمير قطاع الطاقة الإيراني.

لكنه حذر من أن هذا الخيار يحمل تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة، إذ قد يؤدي إلى تجويع الشعب الإيراني، ما يقضي على أي أمل في علاقات إيجابية مستقبلية. فالإيراني الذي يعاني من الجوع، بحسب الكاتب، لن يتعاطف مع من يتسبب في معاناته.

وفي الخلاصة، يؤكد المقال أن الثمن الباهظ لإعلان ترامب النصر والانسحاب لا يكمن فقط في خسارة عسكرية أو سياسية، بل في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية لصالح إيران، ومنحها قدرة غير مسبوقة على التحكم في الاقتصاد العالمي والطاقة، وهو ما يجعل هذا القرار محفوفًا بمخاطر استراتيجية عميقة.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال