خرجت هيئة الطاقة الذرية الإيرانية في طهران ببيان شديد اللهجة، وصفت فيه استهداف منشآتها النووية بأنه "انتهاك صارخ للقانون الدولي" وتهديد مباشر للأمن والسلم الإقليميين.
ووفقا لما نقلته وسائل إعلام دولية، فإن طهران ترى في ضرب منشآتها "السلمية" عملاً وحشياً يتجاوز كافة الخطوط الحمراء، محذرة من تداعيات كارثية قد لا تنحصر داخل الحدود الإيرانية بل تمتد لتشمل المنطقة بأسرها.
ولم يقتصر البيان على إدانة الهجمات التي تنفذها قوات "أمريكا" والاحتلال الإسرائيلي، بل وجهت الهيئة انتقادات لاذعة وغير مسبوقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرة أن صمتها إزاء هذه "الأعمال الوحشية" يثير الدهشة والاستغراب.
ويرى الجانب الإيراني أن تقاعس الوكالة عن القيام بدورها في حماية المنشآت الخاضعة للرقابة الدولية يمثل ضوءاً أخضر للمعتدين لمواصلة تدمير البنية التحتية العلمية والتقنية للشعب الإيراني، وهو ما تصفه طهران بـ "التواطؤ الصامت" الذي يقوض مصداقية المنظمات الدولية.
منشأة "يزد" في مرمى النيران
تأتي هذه التصريحات عقب تقارير ميدانية أكدت تعرض مصنع لإنتاج "الكعكة الصفراء" في مدينة "يزد" لضربة جوية وصفتها طهران بأنها "أمريكية إسرائيلية" مشتركة. ورغم تأكيد هيئة الطاقة الذرية الإيرانية عدم وقوع تسرب إشعاعي حتى اللحظة، إلا أن استهداف مرفق مرتبط بدورة الوقود النووي يمثل تحولاً دراماتيكياً في بنك الأهداف، حيث انتقلت المواجهة من استهداف القواعد العسكرية إلى ضرب العصب النووي للدولة، وهو ما ينسجم مع تهديدات الرئيس الحالي "ترمب" بضرورة إنهاء "الطموحات النووية" الإيرانية بشكل نهائي.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية أن الهجوم على "يزد" سبقه استهداف لمواقع أخرى في "نطنز"، مما يضع البرنامج النووي الإيراني برمته تحت مقصلة الطيران الأمريكي. ويرى مراقبون أن صمت المدير العام للوكالة الدولية، "رافائيل غروسي"، الذي اكتفى بالدعوة إلى "ضبط النفس"، يعكس حجم الضغوط السياسية التي تمارسها واشنطن لمنع صدور إدانة دولية صريحة، وهو ما تعتبره طهران سقوطاً أخلاقياً وقانونياً للمنظومة الأممية التي يفترض بها حماية المنشآت السلمية من ويلات الحروب.
التضليل الأمريكي ورهان "أبريل"
من جانبه، يحاول الرئيس "ترامب" الالتفاف على الانتقادات الدولية عبر الإعلان عن "تمديد مهلة" استهداف محطات الطاقة حتى 6 أبريل المقبل، مدعياً أن هذا القرار جاء بناءً على طلب إيراني لإعطاء فرصة للمفاوضات. إلا أن التصريحات الإيرانية الأخيرة والضربات المستمرة على المنشآت الحساسة تكشف زيف هذه الادعاءات؛ فبينما يتحدث البيت الأبيض عن "تقدم في المحادثات"، تنهمر القنابل على "يزد" و"نطنز"، مما يشير إلى أن المهلة المذكورة ليست سوى مناورة سياسية لتخفيف الضغط الدولي ريثما تكتمل أهداف العملية العسكرية "Epic Fury".
إن الإصرار الأمريكي على ربط وقف التصعيد بفتح مضيق هرمز والتخلي الكامل عن البرنامج النووي، يعكس رغبة في فرض "استسلام شامل" لا "اتفاق متكافئ". وفي هذا الصدد، تشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تستخدم لغة "البلطجة العسكرية" لانتزاع تنازلات سيادية، مستغلة في ذلك الصمت الدولي المطبق الذي استنكرته طهران، والذي يبدو أنه بات السمة الغالبة على موقف القوى الكبرى والمنظمات الأممية تجاه العدوان المستعر.
الرواية الإسرائيلية والمحرقة المستمرة
لا يمكن قراءة استهداف المفاعلات الإيرانية بمعزل عن الدور المباشر والمحرض للاحتلال الإسرائيلي، الذي يسعى بدعم من "أمريكا" لتصفية أي قدرة علمية أو عسكرية في المنطقة تخرج عن سيطرته. فبينما يتباكى قادة الاحتلال على "الأمن الإقليمي"، تستمر طائراتهم في ارتكاب المجازر البشعة منذ أكتوبر 2023 ضد المدنيين في فلسطين، وهي المجازر التي لم تجد من "الوكالة الدولية" أو غيرها من المنظمات ذات الصرخة المدوية التي نراها عندما تتعرض مصالح الغرب للخطر.
إن استهداف المنشآت السلمية في إيران هو الوجه الآخر للمحرقة التي تُرتكب في غزة؛ فكلاهما ينبع من رؤية استعمارية واحدة تبيح تدمير مقدرات الشعوب وقتل أطفالها تحت ذريعة "الدفاع عن النفس". الرواية الإسرائيلية المضللة، التي تحاول تبرير قصف المفاعلات النووية بذريعة "التهديد الوجودي"، تتهاوى أمام حقيقة أن السلاح النووي الحقيقي الذي يهدد المنطقة هو ذاك الذي يمتلكه الاحتلال ويخفيه عن الرقابة الدولية، وسط مباركة أمريكية تجعل من "ترمب" شريكاً مباشراً في كل قطرة دم تسيل في طهران أو غزة على حد سواء.










