أعاد الهجوم الصاروخي الذي استهدف مدينة ديمونة جنوب الاحتلال، مفاعل ديمونة النووي إلى دائرة الضوء، باعتباره أحد أكثر المنشآت سرية وحساسية في الشرق الأوسط. ويقع المفاعل داخل مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية في صحراء النقب، على بعد نحو 90 كيلومتراً جنوب القدس، ويُعد أهم منشأة في البرنامج النووي الإسرائيلي، وفق "أسوشييتد برس". ومنذ تأسيسه في أواخر الخمسينيات، شكّل مفاعل ديمونة محور البرنامج النووي الإسرائيلي في ظل صراعات إقليمية مستمرة.
ويشير خبراء نوويون أمريكيون إلى أن المفاعل استُخدم لإنتاج البلوتونيوم، المادة الأساسية في تصنيع الأسلحة النووية، ما مكّن إسرائيل من تطوير قدرات نووية منذ الستينيات. كما تشير تقديراتهم إلى أن إسرائيل تمتلك عشرات الرؤوس النووية التي تعتمد على مواد انشطارية منتجة في مفاعل ديمونة، بما في ذلك منشأة تحت الأرض لإعادة معالجة البلوتونيوم. ويعتبر مفاعل الماء الثقيل مكملاً لهذا البرنامج، إذ يوفر القدرة على صنع الأسلحة النووية باستخدام نواتج ثانوية.
ويعمل الماء الثقيل على تبريد المفاعل وإزالة الحرارة الناتجة عن التفاعلات النووية، ويمكن استخدامه لإنتاج البلوتونيوم المستخدم في صناعة الأسلحة الذرية. ويعد البلوتونيوم بديلاً عن تخصيب اليورانيوم لإنتاج القنبلة الذرية، ما يضاعف أهمية مفاعل ديمونة في ميزان القوى الإقليمي. كما يعكس هذا الدور الاستراتيجي الطبيعة الحساسة والخطرة لأي هجوم على الموقع، نظراً للعواقب الإشعاعية المحتملة.
تحديثات الموقع النووي
أظهرت صور الأقمار الاصطناعية في السنوات الأخيرة أعمال بناء واسعة في موقع ديمونة، ما دفع خبراء إلى التقدير بأن إسرائيل تعمل على تحديث منشآتها النووية أو بناء منشأة جديدة مرتبطة ببرنامجها النووي. ويشير التحليل إلى أن المشروع الجديد قد يكون مفاعلاً جديداً يعمل بالماء الثقيل أو منشأة لتجميع الأسلحة النووية، لكن الغموض يكتنف طبيعة المشروع بدقة. وتعتبر هذه التحديثات ضرورية مع اقتراب عمر المفاعل الحالي من نهايته التشغيلية، وفقاً لجمعية الحد من التسلح.
وتعكس أعمال البناء الجديدة الحرص الإسرائيلي على استمرار قوة الردع النووي رغم الضغوط الإقليمية والدولية. كما تبرز أهمية الاستعداد للتطورات المستقبلية، بما في ذلك احتمال تصعيد الصراعات مع إيران. وتؤكد هذه الخطوات أن إسرائيل تعتبر مفاعل ديمونة قلب برنامجها النووي وحصناً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه.
ديمونة وحرب إيران
مع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، أصبح مفاعل ديمونة أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تراعيها إسرائيل في حساباتها العسكرية. ويرى الإيرانيون أن الموقع يمثل قلب البرنامج النووي الإسرائيلي، ما دفع طهران إلى توجيه تهديدات مباشرة باستهدافه إذا سعت إسرائيل أو الولايات المتحدة إلى "تغيير النظام" في طهران. ويعد هذا من أخطر التهديدات المباشرة ضد منشأة نووية إسرائيلية منذ سنوات.
وفي الوقت نفسه، ربطت إيران بين استهداف منشآتها النووية والرد على أي منشآت إسرائيلية مماثلة، مؤكدة أن ديمونة هدف محتمل إذا تصاعدت الحرب أو استهدفت منشآت البرنامج النووي. وجاء الهجوم الصاروخي الجديد بعد تقارير إيرانية عن ضرب منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم، الذي نفذّه الجيش الأمريكي بحسب مصادر إسرائيلية. ورغم ذلك، أكدت السلطات الإيرانية عدم تسجيل أي تسريبات إشعاعية وأن السكان القريبين لم يكونوا في خطر.
وحذر خبراء الحد من التسلح من أن أي استهداف لمفاعل نووي قد يؤدي إلى كارثة إشعاعية، إذ إن المفاعلات النووية ليست مصممة لتحمل ضربات عسكرية. ومن شأن تدميرها أن يؤدي إلى تلوث إشعاعي واسع النطاق يمتد خارج الحدود الإسرائيلية. ويزيد هذا من خطورة أي عمليات عسكرية مباشرة ضد المنشآت النووية، ويعكس حجم المخاطر الإنسانية والبيئية المحتملة.
سياسة الغموض النووي
تشير وثائق استخباراتية أمريكية رُفعت عنها السرية إلى أن الولايات المتحدة كانت على علم منذ الستينيات بوجود منشأة لإعادة معالجة البلوتونيوم داخل ديمونة. وعلى الرغم من ذلك، توصلت واشنطن وتل أبيب إلى تفاهم غير معلن يقوم على سياسة "الغموض النووي"، حيث تمتنع إسرائيل عن الإعلان عن امتلاك أسلحة نووية مقابل عدم ممارسة ضغوط علنية. ويؤكد هذا التفاهم على الطبيعة الحساسة والخفية للبرنامج النووي الإسرائيلي.
ويعتبر مفاعل ديمونة حجر الأساس في ميزان الردع الإسرائيلي بالشرق الأوسط، ما يجعله هدفاً استراتيجياً في أي صراع إقليمي واسع. ويشير خبراء إلى أن أي استهداف له قد يفضي إلى تداعيات عسكرية وبيئية تتجاوز حدود إسرائيل إلى المنطقة بأكملها. كما يعكس ذلك هشاشة الوضع النووي في المنطقة واحتمالية فقدان الخطوط الحمراء في حال تصاعد الصراع.
تداعيات التصعيد
مع استمرار التوترات العسكرية، يظل مفاعل ديمونة أحد أكثر المواقع حساسية في الشرق الأوسط، إذ يمكن أن يؤدي أي هجوم عليه إلى ردود فعل متسلسلة تشمل المنطقة بأكملها. ويؤكد هذا التهديد أن حسابات الحرب النووية لم تعد محصورة في الدفاع أو الردع، بل أصبحت أدوات للضغط المباشر على خصوم إقليميين. كما يجعل هذا من ديمونة نقطة محورية في أي صراع مستقبلي، سواء أمني أو سياسي، يعكس حجم التعقيد في إدارة الأمن النووي بالمنطقة.
ويطرح الهجوم الأخير تساؤلات حول إمكانية تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية، ويعكس أن الحرب في الشرق الأوسط قد تفقد أي حدود واضحة فيما يتعلق بالبرنامج النووي. ويشير ذلك إلى أن كل منشأة نووية في المنطقة أصبحت هدفاً محتملاً في السيناريوهات العسكرية المتصاعدة. كما يجعل هذا التصعيد إدارة المخاطر النووية أمراً بالغ التعقيد، حيث يمكن أن تؤدي أي خطوة إلى أزمة إقليمية واسعة النطاق.








