أكد المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور مأمون أبو عامر، في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل يواجهون معاناة شديدة وغير مسبوقة في ظل الظروف السياسية والأمنية الحادة ، حيث أصبحت أعداد العمال داخل الخط الأخضر محدودة جداً وتعتمد على حالات فردية أو عمليات تهريب اضطرارية نتيجة المنع الشامل من دخول أماكن عملهم سواء في الداخل أو في المستوطنات.
وأوضح د. أبو عامر أن هؤلاء العمال يجدون أنفسهم أمام خيارات أحلاها مر، فإما الموت جوعاً أو تعريض أنفسهم لخطر القتل والاعتقال بحجة الاشتباه الأمني، حيث يتعرض من يحاول التحرك بين المناطق لعمليات تنكيل ممنهجة تؤدي غالباً إلى السجون التي تعيش أوضاعاً قاسية جداً، هذا الواقع الكارثي جعل حياة العامل الفلسطيني محفوفة بالمخاطر الكبيرة، خاصة مع انتشار حوالي ألف حاجز عسكري إسرائيلي في الضفة الغربية، مما تسبب في شلل تام لحركة العمال حتى داخل القرى الفلسطينية، وحرم المزارعين من الوصول إلى حقولهم بسبب اعتداءات عصابات المستوطنين المحمية بجيش الاحتلال، وهو ما يشكل ضغطاً هائلاً على أصحاب العمل والقطاعات الإنتاجية الواسعة مثل البناء والصناعة والزراعة.
وفي سياق متصل، أشار الدكتور مأمون أبو عامر إلى أن الشلل الاقتصادي في الضفة الغربية يتفاقم نتيجة سياسات الحصار المالي التي تنتهجها وزارة المالية الإسرائيلية، عبر احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، مما أعجز السلطة عن دفع رواتب الموظفين بشكل كامل، حيث يتلقى الموظفون حوالي 50% فقط من رواتبهم وبمواعيد متأخرة جداً، مع وجود أشهر كاملة دون أي دخل. هذا الضغط الاقتصادي المتزامن مع حملات التهويد الشرسة في مدينة القدس المحتلة، وهدم المنازل بحجج واهية مثل "عدم الترخيص"، يهدف بالأساس إلى إجبار أهل الضفة والقدس على الرحيل القسري وإحداث فراغ سكاني يسمح للمستوطنين بالتمدد.
وحذر د. أبو عامر من أن بعض الأسر قد تضطر تحت ضغط الحاجة الشديدة لبيع ممتلكاتها بطرق ملتوية، وهي حالات قليلة لكنها تعكس حجم المأساة الإنسانية التي يواجهها الإنسان الفلسطيني الذي يجد نفسه مضطراً للمفاضلة بين بقائه في أرضه وبين توفير لقمة العيش لأبنائه في ظل انعدام الأمن والأمان.
استراتيجيات الصمود والتحرك الشعبي والرسمي
أمام هذا الواقع المأساوي، طرح الدكتور مأمون أبو عامر رؤية متكاملة لتعزيز إمكانيات الصمود الفلسطيني، مؤكداً أن حجر الزاوية يكمن في تعزيز الانتماء الوطني وتشكيل لجان شعبية منظمة للحماية الوطنية في كل حارة وبلدة، لتسهيل عمليات التعاون الداخلي وتغطية حاجات الأسر المعوزة والمحتاجة لضمان بقائها في أرضها.
وشدد د. أبو عامر على ضرورة أن يبتعد الرد الفلسطيني عن العفوية، وأن ينتقل إلى جهد منظم تشرف عليه الفصائل والسلطة الفلسطينية للتصدي لاعتداءات المستوطنين، رغم الإدراك بأن الاحتلال سيلاحق هذه اللجان ويعتبرها عملاً تنظيمياً محظوراً، إن هذا التحرك الشعبي يهدف إلى سد الفراغ الذي يحاول المستوطنون استغلاله للسيطرة على القرى والبلدات، وهو مكمل للجهد الرسمي الذي يجب أن يتحرك بقوة لدى المنظمات الدولية والإنسانية، والدول الصديقة، للتأثير على الموقف العالمي وعزل الكيان الإسرائيلي عبر رصد وتوثيق الانتهاكات بشكل مهني يضع الإدارة الأمريكية والمجتمع الأوروبي أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية.
واختتم الدكتور مأمون أبو عامر تصريحاته بالتأكيد على أن التوثيق الإعلامي والحقوقي للجرائم الإسرائيلية يمثل رقماً مهماً جداً في الضغط على السياسات الصهيونية، حيث يجب ملاحقة القادة الصهاينة وفضح جرائمهم أمام المحاكم والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وإن هذه الإجراءات الذاتية الفلسطينية، المقترنة بالتحركات القانونية الدولية، هي السبيل الوحيد لمواجهة سياسة "كماشة الجوع والقتل" التي يفرضها الاحتلال، لضمان حماية أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس من خطر التهجير والاندثار وإن الصمود اليوم ليس مجرد شعار، بل هو ممارسة يومية تتطلب تكاتفاً مجتمعياً وتنسيقاً رسمياً لكسر حصار البوابات الإسرائيلية التي تستنزف طاقة ووقت وحياة الإنسان الفلسطيني على مدار الساعة.










