20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

أزمة الزيوت وقطع الغيار: صرخة استغاثة من قلب مستشفيات غزة المنهكة

تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة فصلاً جديداً وقاسياً من فصول المعاناة التي لا تنتهي، حيث باتت المستشفيات والمراكز الطبية قاب قوسين أو أدنى

بقلم: محمد خميس
٢٩ مارس ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
15 مشاهدة
مستشفيات غزة المنهكة

مستشفيات غزة المنهكة

تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة فصلاً جديداً وقاسياً من فصول المعاناة التي لا تنتهي، حيث باتت المستشفيات والمراكز الطبية قاب قوسين أو أدنى من توقف كامل لخدماتها الحيوية نتيجة النقص الحاد والمزمن في الزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية. 

وفي مؤتمر صحفي حاشد عُقد في ساحة مجمع الشفاء الطبي، الذي يمثل رمزية الصمود الطبي في القطاع، أكد مدير عام الهندسة والصيانة بوزارة الصحة، المهندس مازن العرايشي، أن المنظومة الصحية تعيش أزمات مركبة وغير مسبوقة تسببت بها حرب الإبادة المستمرة التي طالت كافة مفاصل البنية التحتية، مشيراً إلى أن استهداف الاحتلال الممنهج لم يقتصر على المباني فحسب، بل امتد ليعطل العصب المحرك لهذه المستشفيات وهي المولدات الكهربائية التي تعوض الانقطاع الدائم للتيار الرسمي، مما يعيق بشكل مباشر أي جهود تبذلها الوزارة للتعافي أو استعادة الخدمات الصحية في المناطق المتضررة، ويضع مئات المرضى في مواجهة مباشرة مع خطر الموت المحقق نتيجة غياب الطاقة اللازمة لتشغيل الأجهزة المنقذة للحياة.

نزيف المولدات المستمر

تتحدث الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة عن كارثة تقنية حقيقية، حيث خرج بالفعل 90 مولداً كهربائياً عن الخدمة بشكل كامل نتيجة الاستهداف المباشر أو التهالك الشديد وعدم توفر قطع الغيار، في حين تصارع 38 مولداً أخرى للبقاء قيد التشغيل بكميات محدودة جداً من الزيوت والمستهلكات الفنية. 

وأوضح العرايشي أن هناك 11 مولداً رئيسياً بحاجة ماسة وصارمة لصيانة عاجلة تتطلب قطع غيار يمنع الاحتلال دخولها عبر المعابر، معتبراً أن هذه المولدات تمثل "شريان الحياة" الوحيد للمستشفيات التي تعمل فوق طاقتها القصوى منذ أكثر من عامين دون توقف.

 إن الاحتياج الشهري من الزيوت، والذي يُقدر بنحو 2500 وحدة، أصبح بعيد المنال في ظل إحكام الاحتلال قبضته على المعابر، مما يهدد بتوقف المولدات المتبقية في أي لحظة، خاصة وأنها دخلت مرحلة "العجز القسري" نتيجة التشغيل المتواصل على مدار الساعة دون فترات راحة أو صيانة دورية كافية، وهو ما تصفه الطواقم الهندسية بالانتحار التقني الاضطراري للحفاظ على أرواح الناس.

تهديدات الأقسام الحيوية

إن التداعيات الناتجة عن توقف هذه المولدات لا تتوقف عند الظلام الدامس فحسب، بل تمتد لتضرب عمق الأقسام الحيوية التي لا تحتمل انقطاع التيار لثانية واحدة، مثل أقسام العناية المركزة وحاضنات الأطفال حديثي الولادة وأقسام غسيل الكلى. 

هؤلاء المرضى يعتمدون بشكل كامل على استقرار التيار الكهربائي الذي توفره المولدات، وأي تذبذب أو توقف يعني توقف أجهزة التنفس الاصطناعي ومضخات المحاليل وأجهزة ترشيح الدم، ما يضع مئات الأرواح في "دائرة الخطر المحدق". 

وتؤكد التقارير الفنية أن الطواقم الهندسية بدأت بالفعل في تنفيذ إجراءات تقشفية قاسية عبر تقليص ساعات تشغيل المولدات الكبيرة، كما حدث مؤخراً في مجمع الشفاء الطبي، بالإضافة إلى توقف خدمات تشخيصية هامة مثل التصوير الطبقي (CT) في مستشفى حمد، وهو ما يمثل بداية الانهيار المتدحرج للخدمات الطبية التي لن تجد أمامها سوى التوقف التام إذا لم يتم تدارك الموقف فوراً وتوفير المستلزمات الضرورية للتشغيل.

مخاطر صحية جانبية

بالإضافة إلى الخطر المباشر على حياة المرضى، تبرز أزمة أخرى تتعلق بالأدوية الحساسة واللقاحات ووحدات الدم التي تتطلب درجات حرارة منخفضة جداً ومستقرة للحفاظ على صلاحيتها. إن توقف المولدات يعني بالضرورة انقطاع التبريد عن مستودعات الأدوية المركزية، مما سيؤدي إلى تلف كميات ضخمة من العلاجات التخصصية واللقاحات التي يصعب تعويضها، ما يزيد من تعقيد المشهد الصحي ويؤدي إلى إلغاء العمليات الجراحية المجدولة واقتصار العمل على حالات إنقاذ الحياة فقط.

 كما أن الاعتماد على مصادر طاقة غير مستقرة أو متهالكة يتسبب في أعطال جسيمة للأجهزة الطبية التشخيصية والعلاجية ذات التكلفة المرتفعة، والتي لا تتوفر لها ورش إصلاح أو قطع تبديل في ظل الحصار المطبق، مما يعني أن فقدان أي جهاز طبي اليوم هو فقدان دائم لا يمكن استدراكه، وهو ما يكرس سياسة التجهيل الطبي والإعدام البطيء للمنظومة الصحية في قطاع غزة أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال