شهدت بلدة عرابة الواقعة جنوب محافظة جنين، مساء اليوم الأحد، موجة جديدة وعنيفة من اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي تستهدف بشكل واضح تغيير المعالم الجغرافية والديمغرافية في المنطقة.
فقد أقدمت جرافات الاحتلال العسكرية على اقتلاع عشرات أشجار الزيتون المعمرة في قطعة أرض واسعة تقدر مساحتها بنحو 25 دونماً، تقع بالقرب من موقع "معسكر عرابة" الذي كان قد جرى إخلاؤه ضمن خطة الانسحاب عام 2005.
وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في سياق مخطط استراتيجي يهدف إلى إعادة احتلال المعسكر وتوسعته تمهيداً للعودة الدائمة إليه، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى فرض واقع عسكري جديد يربط المستوطنات ببعضها البعض ويخنق القرى الفلسطينية المحيطة.
ولم يقتصر الأمر على تجريف الأرض واقتلاع الأشجار، بل سبقه إجراءات تعسفية قاسية، حيث أجبرت قوات الاحتلال في كانون الأول/ ديسمبر الماضي عائلات فلسطينية كانت قد سكنت في محيط المعسكر منذ عام 2014 على الإخلاء القسري، لتبدأ بعدها عمليات توسيع وتعبيد للطرق الداخلية وإعادة بناء المنشآت العسكرية، في مؤشر خطير على نية الاحتلال تثبيت وجوده العسكري الدائم في تلك المنطقة الحيوية جنوب جنين.
سياسة الهدم والتهجير
وفي إطار الضغط المتواصل على السكان الفلسطينيين لدفعهم نحو الرحيل الطوعي، أخطرت سلطات الاحتلال المواطن جهاد موسى، أحد سكان بلدة عرابة، بنيتها هدم ثلاثة محال تجارية ومنزل يملكه يقع بالقرب من محطة عرابة للمحروقات عند المدخل الرئيسي للبلدة هذا الإخطار لم يكن مجرد ورقة رسمية، بل هو تهديد مباشر لمصدر رزق العائلة ومأواها، خاصة وأن قوات الاحتلال أمهلت المواطن موسى 48 ساعة فقط قبل البدء الفعلي في عملية الهدم وتشريد القاطنين.
وتعد منطقة مدخل بلدة عرابة من المناطق المستهدفة استراتيجياً لكونها نقطة وصل هامة، حيث يسعى الاحتلال من خلال عمليات الهدم هذه إلى تأمين محيط المعسكر العسكري الجديد ومنع أي تمدد عمراني فلسطيني قد يعيق حركته العسكرية في المستقبل.
وتأتي هذه التطورات في ظل صمت دولي مريب يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لمواصلة سياسة "تطهير" المناطق المحاذية للمنشآت العسكرية والمستوطنات، مما يحول حياة المواطنين في عرابة والقرى المجاورة إلى جحيم يومي يهدد استقرارهم وأمانهم الشخصي.
إرهاب المستوطنين بمسافر يطا
بالانتقال إلى جنوب محافظة الخليل، لم يكن المشهد أقل مأساوية، حيث واصل المستوطنون المدججون بالسلاح وتحت حماية كاملة من جيش الاحتلال اعتداءاتهم في منطقة مسافر يطا.
فقد قام مجموعة من المستوطنين بإطلاق مواشيهم بشكل متعمد داخل أراضٍ زراعية فلسطينية مزروعة بالأشجار المثمرة، بعد أن دمروا السياج المحيط بها في منطقة "اغزيوه".
وعندما حاول أصحاب الأرض الدفاع عن ممتلكاتهم ومنع تخريب مزروعاتهم، تدخلت قوات الاحتلال ليس لردع المستوطنين، بل للاعتداء على المواطنين الفلسطينيين بالضرب المبرح وإطلاق قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع باتجاه مساكنهم.
وقد أسفر هذا الاعتداء السافر عن اعتقال المواطن محمد موسى مخامرة ونجليه لؤي وليث، بعد تعرضهم لتنكيل وحشي على مرأى من أطفالهم ونسائهم، في محاولة لكسر إرادة الصمود التي يبديها أهالي مسافر يطا الذين يواجهون يومياً محاولات مستميتة للاستيلاء على أراضيهم وتحويلها إلى مناطق تدريبات عسكرية أو توسعات استيطانية لصالح البؤر المجاورة.
تداعيات الحصار والاستنزاف
إن ما يحدث في عرابة ومسافر يطا يمثل جزءاً من سياسة إسرائيلية شاملة تهدف إلى استنزاف المزارع الفلسطيني وتدمير مقومات اقتصاده الأساسي المعتمد على الأرض والزراعة. فاقتلاع الأشجار وتدمير المحاصيل وتخريب السياج ليست مجرد أعمال تخريبية عشوائية، بل هي "حرب اقتصادية" تشنها أذرع الاحتلال المختلفة لإفقار المجتمع الفلسطيني وجعله غير قادر على الثبات فوق أرضه.
كما أن الاعتقالات التي طالت أفراد عائلة مخامرة تهدف إلى ترهيب العائلات الأخرى ومنعها من التصدي لعربدة المستوطنين، مما يفتح المجال واسعاً أمام الجمعيات الاستيطانية للسيطرة على المزيد من الدونمات الزراعية وضمها للمخططات الاستيطانية الكبرى.
إن تكرار هذه الحوادث في توقيت متزامن يؤكد أن الضفة الغربية المحتلة تعيش حالة من الانفجار الصامت، حيث تتسارع وتيرة بناء المعسكرات وتوسيعها على حساب حقوق الملكية الفردية والعامة للفلسطينيين، وهو ما ينذر بعواقب وخيمة على المستويين الأمني والإنساني في المنطقة برمتها.










