تعيش مدينة القدس المحتلة واحدة من أصعب فتراتها التاريخية، حيث أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مساء اليوم الأحد، على خطوة وُصفت بأنها "سابقة خطيرة وغير مسبوقة" بقرارها منع إقامة قداس "أحد الشعانين" في كنيسة القيامة، وهو الحدث الذي لم يتوقف منذ قرون طويلة حتى في أحلك الظروف السياسية والأمنية.
إن هذا الإجراء العسكري المتغطرس لم يمنع المسيحيين المحليين فحسب، بل وجه رسالة تحدٍ لمشاعر ملايين المسيحيين حول العالم الذين يتطلعون إلى القدس كقبلة روحية في هذه الأيام المقدسة، مما يعكس إصرار الاحتلال على كسر "الوضع القائم" (Status Quo) الذي يحكم الأماكن المقدسة منذ العهد العثماني، ومحاولة فرض سيادة أمنية مطلقة تلغي الحقوق الدينية التاريخية المتوارثة.
ردود الفعل الوطنية والتنديد الواسع
من جانبها، سارعت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى إصدار بيان شديد اللهجة استنكرت فيه هذا المنع، مؤكدة أن ما حدث في كنيسة القيامة يمثل تطبيقاً عملياً وخطراً لسياسات تهويد المدينة المقدسة وتغيير طابعها الديني والتاريخي.
وأشارت الحركة في بيانها إلى أن هذا الاعتداء المباشر على حرية العبادة يعبر عن "خطر وجودي" يهدد كافة المعالم الإسلامية والمسيحية في القدس على حد سواء، معتبرة أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الإجراءات الممنهجة إلى إحكام قبضته على المدينة وإفراغها من هويتها العربية التعددية.
وناشدت الحركة كافة المجالس الكنسية والمنظمات الحقوقية حول العالم بضرورة التحرك العاجل لإدانة هذه الممارسات الإسرائيلية التي تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية التي تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية، مؤكدة أن الصمت الدولي على مثل هذه الانتهاكات يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لمواصلة مخططاته الرامية إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني وتصفية الوجود التاريخي لمكوناتها الأصيلة.
انتهاك حرية العبادة والوضع القائم
لم تقف بطريركية اللاتين في القدس صامتة أمام هذا التغول، حيث أعربت في بيان رسمي عن استيائها العميق وقلقها البالغ من هذا القرار الذي حال دون إقامة القداس للمرة الأولى منذ مئات السنين.
وأوضحت البطريركية أن الكنائس كانت قد اتخذت بالفعل إجراءات طوعية لتقليص التجمعات وبث الشعائر عبر الوسائط الإلكترونية التزاماً بالقيود العامة، إلا أن منع المسؤولين الدينيين أنفسهم من دخول الكنيسة يمثل سابقة لا يمكن السكوت عنها.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد الإسرائيلي يأتي في سياق رغبة الاحتلال في تقويض أي مظهر سيادي أو ديني فلسطيني في القدس، خاصة مع تزايد وتيرة الحصار المفروض على البلدة القديمة.
إن استهداف بطريرك اللاتين ومنعه من ممارسة مهامه الروحية يوضح أن الاحتلال لم يعد يقيم وزناً للمكانة الدينية الدولية للشخصيات الكنسية، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لحماية ما تبقى من حرية العبادة في "مدينة السلام" التي باتت تعيش تحت وطأة الترهيب الأمني المتواصل.
ترابط الحصار بين الأقصى والقيامة
إن منع قداس الشعانين لا يمكن فصله عن المشهد العام في القدس، حيث يعاني المسلمون أيضاً من تضييقات مماثلة وقاسية منذ بدء الحرب في المنطقة. فقد منعت قوات الاحتلال مئات الآلاف من المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، وحرمت الفلسطينيين من صلوات التراويح وعيد الفطر في رحابه، مما حول المدينة إلى ثكنة عسكرية معزولة عن الضفة الغربية وقطاع غزة.
هذا الاستهداف المزدوج للمقدسات الإسلامية والمسيحية يؤكد أن المخطط الإسرائيلي يستهدف "الفلسطيني" بحد ذاته بغض النظر عن ديانته، ويسعى إلى فرض أمر واقع جديد تكون فيه الكلمة العليا للمستوطنين وقوات الأمن.
إن خلو كنيسة القيامة من مصلينها في يوم عظيم مثل أحد الشعانين، وتزامن ذلك مع إخلاء باحات الأقصى من عمارها، يرسم صورة قاتمة لمستقبل المدينة في ظل غياب المحاسبة الدولية، مما ينذر بانفجار غضب شعبي عارم دفاعاً عن الحق في الصلاة والوجود في أقدس بقاع الأرض.










